تفسير المفردات : تجادل : أي : تدفع وتسعى في خلاصها، والنفس الأولى : الجثة والبدن، والنفس الثانية : عينها وذاتها. وتوفي : تعطي.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف حال من كفر بالله من بعد إيمانه، وحكم بأنه استحق غضب الله وعذابه الأليم يوم القيامة، ثم ذكر حال من أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه وقلبه مليء بالإيمان – أردف ذلك بذكر طائفة من المسلمين كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم، فوافقوا المشركين على الفتنة في الدين والرجوع إلى دين آبائهم وأجدادهم، ثم فرّوا وتركوا بلادهم وأهليهم ابتغاء رضوان الله وطلب غفرانه، وانتظموا في سلك المسلمين وجاهدوا معهم الكافرين، فحكم ربهم بقبول توبتهم، ودخولهم في زمرة الصالحين، وتمتعهم بجنات النعيم يوم العرض والحساب.
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة : أن عياشا رضي الله عنه ( وكان أخا أبي جهل من الرضاعة )، وأبا جندل بن سهل، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن سلمة الثقفي، فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا فنزلت فيهم الآية.
الإيضاح : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ، أي : إن ربك لغفور رحيم بهؤلاء يوم تأتي كل نفس تخاصم عن نفسها، وتحاجّ عنها، وتسعى في خلاصها، بما أسلفت في الدنيا من عمل، ولا يهمها شأن غيرها من ولد ووالد وقريب.
وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ، أي : وتعطى كل نفس جزاء ما عملت في الدنيا من طاعة أو معصية، فيجزى المحسن بما قدم من إحسان، والمسيء بما أسلف من إساءة، ولا يعاقب محسن ولا يثاب مسيء.
والخلاصة : إن كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كما قال : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه [ عبس : ٣٧ ].
وجاء في بعض الآثار :" إن جهنم لتزفر زفرة، لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول : رب نفسي نفسي حتى إن إبراهيم الخليل ليفعل ذلك ".
تفسير المراغي
المراغي