تفسير المفردات : مواخر : واحدها ماخرة : أي جارية من مخر الماء الأرض أي شقها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه منزّه عن الشريك والولد، وأنه لا إله إلا هو، وأمر بتقواه وإخلاص العبادة له – ذكر هنا أدلة التوحيد واتصاف ذاته الكريمة بصفات الجلال والإكرام بأسلوب بديع جمع فيه بين دلالة المصنوع على الصانع والنعمة على المنعم، ونبه بذلك إلى أن كل واحد من هذا كاف في صرف المشركين عما هم عليه من الشرك، وكلما بصرهم طائفة مما يرون ويشاهدون بكتهم على ما يقولون ويفعلون، وبين لهم كفرانهم نعمتي الرعاية والهداية، فاحتج على وجوده بخلق الأجرام الفلكية، ثم ثنى بذكر أحوال الإنسان، ثم ثلّث بذكر أحوال الحيوان، ثم ربّع بذكر أحوال النبات، ثم اختتم القول بذكر أحوال العناصر الأربعة.
الإيضاح : وبعد أن ذكر أنواع النعم في البر شرع يفصّل نعمه في البحر فقال :
وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا أي وهو الذي سخر لكم البحر –الماء الملح والعذب- لتأكلوا منه سمكا تصطادونه.
وفي وصفه بالطراوة تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله، لأنه يسرع إليه الفساد والتغير، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء، فسبحان الخبير بخلقه، ومعرفة ما يضر استعماله وما ينفع، وفيه أيضا إيماء إلى كمال قدرته تعالى في خلقه الحلو الطري في الماء المر الذي لا يشرب.
وقد كره العلماء أكل الطافي منه على وجه الماء، وهو الذي يموت حتف أنفه في الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم :" ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا " فالمراد من ميتة البحر في الحديث " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ما لفظه لا ما مات فيه من غير آفة.
وتستخرجوا منه حلية تلبسونها كاللؤلؤ المخلوق في صدفه العائش في البحار ولاسيما المحيط الهندي، والمرجان الذي ينبت في قيعانها، وتوجد حقول من المرجان في البحر الأبيض المتوسط أمام تونس والجزائر، متى تم ينعها حصدتها الدولة الفرنسية وباعتها للمسلمين وهم لا يعلمون شيئا من أمرها، وكأنهم لم يقرؤوا القرآن وكأنهم لم يخلقوا في هذه الأرض، وكأنهم يقولون : ربنا لا نستخرج، بل نشتري من المستخرجين من الأرض، وكأنهم ليسوا مخاطبين بالاستخراج المباح، وبذا حرّموا على أنفسهم ما أباحه الله لهم، وقد بلغ ما استخرج من المرجان سنة ١٨٨٦م ٧٧٨ ألف كيلو جرام ثمنها خمسة ملايين وسبعمائة وخمسون ألف فرنك.
وترى الفلك مواخر فيه أي وترى السفن جواري فيه، تشقه بحيزومها ومقدّمها. مقبلة مدبرة من قطر إلى قطر ومن بلد إلى آخر، ومن إقليم إلى إقليم لجلب ما هناك إلى هنا، وما هنا إلى هناك ومن ثم قال :
ولتبتغوا من فضله أي ولتطلبوا فضل الله ورزقه بركوبه للتجارة.
ولعلكم تشكرون أي ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم، إذ جعل ركوب البحر مع كونه مظنة للهلاك سببا للانتفاع وحصول المعاش مع عدم الحاجة إلى الحل والترحال والاستراحة والسكون، ولله در القائل :
وإنا لفي الدنيا كركب سفينة نظنّ وقوفا والزمان بنا يسري
تفسير المراغي
المراغي