و طيبين : حال من مفعول " توفاهم ". جنات عدن : يحتمل أن يكون هو المخصوص بالمدح، فيكون مبتدأ، وخبره فيما قبله، أو خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ، وخبره : يدخلونها ، أو محذوف، أي : لهم جنات عدن.
الذين تتوفاهم الملائكة طيبين : طاهرين من ظُلم أنفسهم بالكفر والمعاصي ؛ لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم، وقيل : فرحين ؛ لبشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم ؛ لتوجه نفوسهم بالكلية إلى الحضرة القدسية. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية : طيبين : عبارة عن صلاح حالهم، واستعدادهم للموت. وهذا بخلاف ما قال في الكفرة : ظَالِمِي أَنْفُسِهِم [ النساء : ٩٧ ؛ والنحل : ٢٨ ]، والطيب لا خبث معه، ومنه قوله تعالى : طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا [ الزُّمَر : ٧٣ ]. ه.
وقال الترمذي الحكيم : طيبين أي : مستعدين للقاء، يُسلَّم عليهم، ويقال لهم : ادخلوا الجنة بلا هول ولا حساب، بخلاف غير المستعد للقاء، فإنما يسلم عليه، ويقال له : ادخل الجنة بعد أهوال القبر وأهوال القيامة. ه. وهذا معنى قوله : يقولون سلام عليكم ؛ لا يلحقكم بعدُ مكروهٌ. وهذا لأجل الاستعداد كما تقدم. ثم تقول لهم : ادخلُوا الجنة بعد بعثكم، أو بأرواحكم في عالم البرزخ، إن كانوا من الشهداء أو الصديقين، بما كنتم تعملون في دار الدنيا.
فإن قلت : كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث :" لن يَدْخُل أحدُكُم الجَنَّة بعَمَلِهِ، قالوا : ولا أَنْتَ ؟ قَالَ : ولا أَنَا، إِلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِه " ؟ فالجواب : أن الهداية لصالح العمل، والتوفيق له، هو برحمة الله أيضًا، فالعمل الصالح رحمة من رحمات الله، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته، فرجعت الآية إلى الحديث. ومقصد الحديث : نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة. وهنا جواب آخر صوفي ؛ وهو الجمع بين الحقيقة والشريعة، فنسبة العمل إلى العبد شريعة، ونفيه عنه، بإجراء الله ذلك عليه، حقيقة. فالآية سلكت مسلك الشريعة في نسبة العمل للعبد ؛ فضلاً ونعمة ؛ " من تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك ". والحديث سلك مسلك الحقيقة ؛ لأن الدين كله دائر بين حقيقة وشريعة، فإذا شرَّع القرآنُ حققته السُّنة، وإذا شرَّعت السُّنةُ حققها القرآن. والله تعالى أعلم.
وإنما قالوا، في كل ما ينزل بهم : خيرًا، أو جعلوه لطفًا وبرًا ؛ لما يجدون في قلوبهم، بسببه، من المزيد والألطاف، والتقريب وطي مسافة النفس، ما لا يجدونه في كثير من الصلاة والصيام سنين ؛ لأن الصلاة والصيام من أعمال الجوارح، وما يحصل في القلب من الرضا والتسليم، وحلاوة القرب من الحبيب، من أعمال القلوب، وذرة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. إِنْ شَكَوْتَ الهَوَى فما أنت منّا احْمِلِ الصَّدَ والجفا يا مُعَنَّا تَدَّعِي مَذْهبَ الهَوى ثم تَشْكُو أين دَعْوَاك في الهَوَى قَل لِيَ أيْنَا ؟ لَو وَجَدْنَاكَ صابرًا لِهَوانـا لأعْطيناك كُلَّ ما تتمنى
وفي الخبر :" إذَا أحَبَّ اللهُ عَبْد ابْتَلاَهُ، فَإِنْ صَبَرَ اجْتَبَاهُ، وإِنْ رَضِيَ اصْطَفَاه " ١ وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" عَجَبًا لأمر المُؤْمن، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ له خَيرٌ، وليْسَ ذلِكَ لأحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِنِ. إن أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شكَرَ، فَكَانَ خَيرًا لََهَ، وإنْ أصَابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيرًا لَهُ " ٢. وفي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما يُصيب المؤمنَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهَمُّ يُهِمُّه، إلا كفّر له من سيئاته " ٣. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم :" مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيبُهُ أَذىً من مرض فَمَا سَواه، إلا حَطَّ به عنه سَيِّئاتِهِ كَمَا تَحُطَّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا " ٤. ورُوي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول : لا يكون عالمًا من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله ؛ لِمَا يرجو بذلك من كفارة خطاياه. هـ. فتحصل أن ما ينزل بالمؤمن كُلَّهُ خير، فإذا سئل : ماذا أنزل ربكم ؟ قال خيرًا.
ثم قال تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا ؛ أي : بالرضا عني في جميع الأحوال، والاشتغال بذكري في كل حال، لهم في الدنيا حسنةٌ : حلاوة المعرفة، ودوام المشاهدة، ولدارُ الآخرة خيرٌ ؛ لصفاء المشاهدة فيها، واتصالها بلا كدر ؛ إذ ليس فيها من شواغل الحس ما يكدرها، بخلاف الدنيا ؛ لأن أحكام البشرية لا ينفك الطبع عنها، كغلبة النوم، وتشويش المرض وغيره، بخلاف الجنة، ليس فيها شيء من الكدر، ولذلك مدحها بقوله : ولَنِعْمَ دارُ المتقين .
ثم قال : كذلك يجزي الله المتقين لكل ما يشغل عن الله ؛ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، طاهرين، مطهرين من شوائب الحس، ودنس العيوب، طيبة نفوسُهم بحب اللقاء، قد طيبوا أشباحهم بحسن المعاملة، وقلوبهم بحسن المراقبة، وأرواحهم بتحقيق المشاهدة. تقول لهم الملائكة الكرام : سلام عليكم، ادخلوا جنة المعارف إثر موتكم، وجنة الزخارف إثر بعثكم ؛ بما كنتم تعملون من تطهير أجسامكم من الزلات، وتطهير قلوبكم من الغفلات، وتطهير أرواحكم من الفترات. وبالله التوفيق.
الإشارة : وقيل للذين اتقوا التقوى الكاملة : ماذا أنزل ربكم من المقادير ؟ قالوا : خيرًا، فكل ما ينزل بهم من قدر الله وقضائه، جلاليًا كان أو جماليًا، جعلوه خيرًا، وتلقوه بالرضا والتسليم. يقولون : إذا كنتَ أنتَ المُبْتَلِي فافعل ما شئت، لا يتضعضعون ولا يسأمون، ولا يشكون لأحد سوى محبوبهم ؛ لأن الشكوى تنافي دعوى المحبة، كما قال الشاعر :
| إِنْ شَكَوْتَ الهَوَى فما أنت منّا | احْمِلِ الصَّدَ والجفا يا مُعَنَّا |
| تَدَّعِي مَذْهبَ الهَوى ثم تَشْكُو | أين دَعْوَاك في الهَوَى قَل لِيَ أيْنَا ؟ |
| لَو وَجَدْنَاكَ صابرًا لِهَوانـا | لأعْطيناك كُلَّ ما تتمنى |
وفي الخبر :" إذَا أحَبَّ اللهُ عَبْد ابْتَلاَهُ، فَإِنْ صَبَرَ اجْتَبَاهُ، وإِنْ رَضِيَ اصْطَفَاه " ١ وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" عَجَبًا لأمر المُؤْمن، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ له خَيرٌ، وليْسَ ذلِكَ لأحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِنِ. إن أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شكَرَ، فَكَانَ خَيرًا لََهَ، وإنْ أصَابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيرًا لَهُ " ٢. وفي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما يُصيب المؤمنَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهَمُّ يُهِمُّه، إلا كفّر له من سيئاته " ٣. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم :" مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيبُهُ أَذىً من مرض فَمَا سَواه، إلا حَطَّ به عنه سَيِّئاتِهِ كَمَا تَحُطَّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا " ٤. ورُوي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول : لا يكون عالمًا من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله ؛ لِمَا يرجو بذلك من كفارة خطاياه. هـ. فتحصل أن ما ينزل بالمؤمن كُلَّهُ خير، فإذا سئل : ماذا أنزل ربكم ؟ قال خيرًا.
ثم قال تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا ؛ أي : بالرضا عني في جميع الأحوال، والاشتغال بذكري في كل حال، لهم في الدنيا حسنةٌ : حلاوة المعرفة، ودوام المشاهدة، ولدارُ الآخرة خيرٌ ؛ لصفاء المشاهدة فيها، واتصالها بلا كدر ؛ إذ ليس فيها من شواغل الحس ما يكدرها، بخلاف الدنيا ؛ لأن أحكام البشرية لا ينفك الطبع عنها، كغلبة النوم، وتشويش المرض وغيره، بخلاف الجنة، ليس فيها شيء من الكدر، ولذلك مدحها بقوله : ولَنِعْمَ دارُ المتقين .
ثم قال : كذلك يجزي الله المتقين لكل ما يشغل عن الله ؛ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، طاهرين، مطهرين من شوائب الحس، ودنس العيوب، طيبة نفوسُهم بحب اللقاء، قد طيبوا أشباحهم بحسن المعاملة، وقلوبهم بحسن المراقبة، وأرواحهم بتحقيق المشاهدة. تقول لهم الملائكة الكرام : سلام عليكم، ادخلوا جنة المعارف إثر موتكم، وجنة الزخارف إثر بعثكم ؛ بما كنتم تعملون من تطهير أجسامكم من الزلات، وتطهير قلوبكم من الغفلات، وتطهير أرواحكم من الفترات. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي