ثم بيَّن حكمة البعث، فقال : ليُبيِّن لهم أي : يبعثهم ؛ ليبين لهم الذي يختلفون فيه ؛ وهو الحق من الباطل ؛ فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم ؛ فيبعثهم الله ؛ ليُبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه، فيظهر من كان على الحق ممن كان على الباطل، ولِيَعْلَم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما كانوا يزعمون ؛ من عدم البعث، وتمسكهم بالحق، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل.
فإن سبقت له العناية يَقُلِ الحقُّ تعالى في شأنه : بلى، يبعثه، ويحيي روحه بالمعرفة واليقين، وعدًا عليه حقًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته عامة. فكم من جاهل غبي يخرج منه عالِمَ ولي، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص، والله يختص برحمته من يشاء. يبعثهم ؛ ليُبين لهم الذي يختلفون فيه ؛ من نفوذ قدرته تعالى وعموم تعلقها، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا كاذبين فيما زعموا ؛ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي