المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه حجتهم وقولهم إنه لا حاجة إلى الأنبياء جميعا، لأنا مجبورون فيما نفعل، وأنه لو شاء الله أن نهتدي لكان، دون حاجة إلى إرسال الأنبياء، ورده عليهم بأن الحاجة إليهم إنما هي تبليغ ما أمر به وترك ما نهى عنه ولا يلزمون أحدا بإيمان ولا كفر – أردف هذا بشبهة أخرى لهم، إذ قالوا إنما نحتاج إلى الأنبياء لو كان لنا عودة إلى حياة جديدة بعد الموت فيها ثواب وعقاب، ولكن العودة إلى حياة أخرى غير ممكنة ولا معقولة – ذاك أن الجسم إذا تفرق وذهبت أجزاؤه كل مذهب امتنع أن يعود بعينه ليحاسب ويعاقب، فرد الله عليهم ما قالوا بأن هذا ممكن، وقد وعد عليه وعدا حقا، وأنه فعل ذلك ليميز الخبيث من الطيب والعاصي من المطيع، وأيضا فإيجاده تعالى للأشياء لا يتوقف على سبق مادة ولا آلة، بل يقع ذلك بمحض قدرته ومشيئته، وليس لقدرته دافع ولا مانع.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن العالية قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به، والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا، فقال له المشرك : إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت، وأقسم جهد يمينه لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله وأقسموا بالله جهد أيمانهم الآية.
وأخرج هؤلاء عن أبي هريرة قال :" قال الله : سبّني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذّبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقال وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت وقلت : بلى وعدا عليه حقا وأما سبه إياي فقال : إن الله ثالث ثلاثة وقلت : هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفؤا أحد ".
ثم ذكر سبحانه الحكمة في المعاد، وقيام الأجساد يوم التناد فقال :
ليبين لهم الذي يختلفون فيه أي بل يبعثهم ليبين لهم وجه الحق فيما جاء به الرسل وخالفتهم فيه أممهم، فيمتاز الخبيث من الطيب، والمطيع من العاصي، والظالم من المظلوم، إلى نحو أولئك مما كان مدار دعوة أولئك الرسل وأنكرته الأمم الذين أرسلوا إليهم، ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين أي وليعلم الذين جحدوا وقوع البعث والجزاء أنهم كانوا كاذبين في قولهم : لا يبعث الله من يموت، وسيدعون إلى نار جهنم دعّا، وتقول لهم الزبانية : وهذه النار التي كنتم بها تكذبون ١٤ أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ١٥ اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون [ الطور : ١٤ -١٦ ].
تفسير المراغي
المراغي