قوله تعالى: مِن نُّطْفَةٍْْ متعلِّقٌ ب «خَلَق» و «مِنْ»
صفحة رقم 189
لابتداءِ الغاية. والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ من الماء، نَطَفَ رأسُه ماءً، أي: قَطَر. وقيل: هي الماء الصافي ويُعَبَّرُ بها عن ماءِ الرجل، ويُكْنَى بها عن اللؤلؤة، ومنه صبيٌّ مُنَطَّف: إذا كان في أذنه لُؤْلؤة، ويقال: ليلة نَطُوف: إذا جاء فيها مطرٌ. والناطِف: ما سال من المائعاتِ، نَطَفَ يَنْطِفُ، أي: سال فهو ناطِفٌ. وفرنٌ يَنْطِفُ بسوءٍ.
قوله: فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ عَطَفَ هذه الجملةَ على ما قبلَها. فإن قيل: الفاءُ تدلُّ على التعقيب، ولا سيما وقد وُجِدَ معها «إذا» التي تقتضي المفاجَأةَ، وكونُه خصيماً مبيناً لم يَعْقُبْ خَلْقَه مِنْ نُطْفة، إنما توسَّطَتْ بينهما وسائطُ كثيرةٌ. فالجوابُ من وجهين، أحدُهما: أنه من باب التعبير عن حال الشيءِ بما يَؤُول إليه، كقولِه تعالى: أَعْصِرُ خَمْراً [يوسف: ٣٦]. والثاني: أنه أشار بذلك إلى سُرْعَةِ نِسْيانهم مَبْدَأَ خَلْقِهم. وقيل: ثَمَّ وسائِطُ محذوفةٌ. والذي يظهر أنَّ قولَه «خَلَقَ» عبارةٌ عن إيجاده وتربيتِه إلى أن يبلغَ حدَّ هاتين الصفتين.
و «خصيم» فَعِيْل، مثالُ مبالغةٍ مِنْ خَصَم بمعنى اختصم، ويجوز أن يكونَ مُخاصِم كالخَلِيط والجَلِيس.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط