فقال. (إلاّ) هاهنا بمعنى غير؛ لأنه لا يمكن إعادة خافض بضمير (١)، قال الفراء: وقد ذهب في هذا مذهبًا (٢)، ومن قال الذكر في الآية الأولى بمعنى العلم (٣)، جعل الباء من صلته؛ كأنه قيل: سَلوا أهل العلم بالبينات والزبر (٤)؛ وهي ما أنزل الله على الأنبياء من الحجج الواضحة والكتب، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ يعني القرآن (٥)، لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ: في هذا الكتاب من الحلال والحرام، والوعد والوعيد، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ: في ذلك فيعتبرون.
٤٥ - قوله تعالى: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ قال ابن عباس: يريد المشركين؛ أهلَ مكة وما حول المدينة (٦).
(١) يعني أن الذي خفض اليد قبل (إلا) وهي الباء يتعذر إعادته بعد (إلا) لخفض اليد الثانية، ولا إشكال لو كانت بمعنى غير.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٠ - ١٠١، بتصرف واختصار.
(٣) أشار إلى ذلك الزجاج في "المعاني" ٣/ ٢٠١، بقوله: قيل لهم: اسألوا كلَّ من يذكر بعلم.. ، وانظر: "تفسير القرطبي" ١٠/ ١٠٨، والخازن ٣/ ١١٦.
(٤) وهذا القول هو الأظهر؛ لأنه لا يحتاج إلى تأويل، وما لا يحتاج إلى تأويل أولى مما احتاج إلى تأويل.
(٥) ورد في "تفسير مقاتل" ١/ ٢٠٣ أ، والطبري ١٤/ ١١١، وهود الهواري ٢/ ٣٧٣، والسمرقندي ٢/ ٢٣٧، والطوسي ٦/ ٣٨٥، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٩٠، وانظر: "تفسير ابن عطية" ٨/ ٤٢٥، والخازن ٣/ ١١٦، وابن كثير ٢/ ٥٩٢.
(٦) ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الزمخشري" ٢/ ٣٣٠، وابن عطية ٨/ ٤٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٠، والفخر الرازي ٢٠/ ٣٨، والخازن ٣/ ١١٧، وأبي حيان ٥/ ٤٩٤.
وقوله تعالى: مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ قال الكلبي: عملوا السيئات، يعني عبادة غير الله (١)، وكذلك قال قتادة: يعني الشرك (٢)، وعلى هذا سمي عبادتهم الأوثانَ مكرًا، لأن المكر في أصل اللغة: السعي بالفساد (٣)، وذكرنا هذا فيما تقدم (٤)، وعبادة غير الله من أفسد السعي.
وقوله تعالى: أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ قال ابن عباس: كما خَسف بقارون (٥)، ومعنى الخسف في اللغة: سُؤُوخُ الأرضِ بما عليها (٦)، قال أبو زيد والأصمعي: خَسَفَ المكانُ يَخْسِفُ، وخَسَفَهُ الله (٧). ومعنى الاستفهام في قوله: أَفَأَمِنَ الإنكار؛ أي: يجب أن لا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين من قبلهم.
وقوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ قال الكلبي: من حيث لا يعلمون بهلاكهم (٨)، قال ابن عباس: يريد يوم بدر وما كانوا
(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١١٢ بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٢٢٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٣) والمشهور عند أهل اللغة أن أصل المكر: الاحتيال والخداع، ويكون عادة في خُفْيَة، فكأن الواحدي رحمه الله فسرها باللازم؛ انظر: (مكر) في "تهذيب اللغة" ٣٤٣٤، و"المحيط في اللغة" ٦/ ٢٦٣، و"مجمل اللغة" ٢/ ٨٣٨، و"الصحاح" ٢/ ٨١٩.
(٤) في تفسير الآية [٢٦] من هذه السورة.
(٥) انظر: "تفسير القرطبي" ١٠/ ١٠٩، والخازن ٣/ ١١٧، وأبي حيان ٥/ ٤٩٥، وفي الأخيرين بلا نسبة.
(٦) ورد في "تهذيب اللغة" (خسف) ١/ ١٠٢٩، بنصه، وهو قول الليث. وانظر: (خسف) في "المحيط في اللغة" ٤/ ٢٦٧، و"اللسان" ٢/ ١١٥٧.
(٧) المصدر السابق نفسه.
(٨) ورد بنص غير منسوب في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٣٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي