دروس من سورة النحل
عرض إجمالي للسورة :
سورة النحل سورة مكية، وعدد آياتها " ١٢٨ " آية، وهي سورة هادئة الإيقاع، عادية الجرس، ولكنها مليئة حافلة، موضوعاتها الرئيسة كثيرة منوعة، والإطار التي تعرض فيه واسع شامل.
وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى : الألوهية، والوحي والبعث، ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسة، تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم عليه السلام، ودين محمد صلى الله عليه وسلم، وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال، وتلم بوظيفة الرسل، وسنة الله في المكذبين لهم، وتلم بموضوع التحليل والتحريم، وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع، وتلم بالهجرة في سبيل الله، وفتنة المسلمين في دينهم، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة : العدل والإحسان، والإنفاق والوفاء بالعهد، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة، وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها.
فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات، والمجال الذي تجرى فيه الأحادث فهو فسيح شامل.. هو السماوات والأرض، والماء الهاطل، والشجر النامي.. والليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم. والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار، وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها، والأخرى بأقدارها ومشاهدها، وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق.
في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير، حملة هادئة الإيقاع، ولكنها متعددة الأوتار، ليست في جلجلة سورة الأنعام وسورة الرعد، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس إنها تخاطب العين ؛ لترى، والأذن ؛ لتسمع، واللمس ؛ ليستشعر، والوجدان ؛ ليتأثر والعقل ؛ ليتدبر، وتحشد الكون كله : سماءه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وجباله وبحاره، وفجاجه وأنهاره، وظلاله وأكنافه، ونبته وثماره، وحيوانه وطيوره، كما تحشد دنياه وآخرته، وأسراره وغيوبه.. كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب، مختلف الإيقاعات التي لا يغلق أمامها إلا القلب الميت، والعقل المنكوس، والحس المطموس.
هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون وآلائه على الناس، كما تتناول مشاهد القيامة، وصور الاحتضار ومصارع الغابرين، تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتسرب إلى أسرار الأنفس، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة، وهم في حالات الضعف والقوة، وهم في أحوال النعمة والنقمة، كذلك تتخذ السورة الأمثال، والمشاهد، والحوار، والقصص الخفيفة، أدوات للعرض والإيضاح.
فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله، فهي : الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق، وعظمة النعمة، وعظمة العلم والتدبير.. كلها متداخلة، فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر لا تلبي ضروراتهم وحدها، ولكن تلبي أشواقهم كذلك، فتسد الضرورة، وتتخذ للزينة، وترتاح بها أبدانهم وتستريح لها نفوسهم، لعلهم يشكرون، ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة، وظلال الشكر، والتوجيهات إليها ؛ والتعقيب بها في مقاطع السورة وتضرب عليها الأمثال، ونعرض لها النماذج وأظهرها نموذج إبراهيم.
شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . ( النحل : ١٢١ ).
كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والأفكار، والعبارات والإيقاعات، والقضايا والموضوعات نرجو أن نشاهده في أثناء استعراضنا لأجزاء السورة.
التوحيد في السورة
تبدأ سورة النحل بآية مشهورة تقال كثيرا عندما يحين الأجل ويقف الإنسان عاجزا أمام حوادث القدر، يقول سبحانه : أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون . ( النحل : ١ ).
ومن أسباب نزول هذه الآية : أن أهل مكة كانوا يستعجلون الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل العذاب ؛ زادوا استعجالا، وزادوا استهزاء واستهتارا، وحسبوا أن محمدا يخوفهم بما لا وجود له ولا حقيقة ؛ ليؤمنوا له ويستسلموا، ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون، وآياته في القرآن.
نعم الله
تسترسل الآيات في سورة النحل تستعرض نعم الله سبحانه على الإنسان ؛ فتذكر خلق السماوات والأرض والإنسان، والأنعام والنبات، والليل والنهار، والجبال والبحار، والشمس والقمر والنجوم، وهي ظواهر طبيعية ملموسة ولكننا إذا قرأنا الآيات من ٣ إلى١٨ في سورة النحل نجد أننا أمام لوحة كونية معروضة تنتقل بالإنسان من مشهد إلى آخر وكل مشهد يدل على وحدانية الخالق، ووحدانية المنعم. وتعرض الآيات هذه النعم فوجا فوجا ومجموعة مجموعة بادئة بخلق السماوات والأرض فيقول سبحانه : خلق السماوات والأرض بالحق . ( النحل : ٣ ).
فالحق قوام خلقهما والحق قوام تدبيرهما، والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما ؛ فما من شيء من ذلك كله عبث ولا جزاف، إنما كل شيء قائم على الحق وملتبس به وسائر في النهاية إليه.
ثم تستعرض الآيات نعمة خلق الأنعام، والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة العربية كانت هي : الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. وقد أباح الله أكلها أما الخيل، والبغال، والحمير ؛ فللركوب والزينة ولا تؤكل، ثم يجيء التعقيب على هذه النعمة يقول سبحانه : ويخلق ما لا تعلمون . ( النحل : ٨ ).
ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة. إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها ومقدرات الحياة كلها، ومن ثم يهيئ القرآن الأذهان لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة ويتمخض عنه العلم، ويتمخض عنه المستقبل، استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة.
ولقد وجدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة، لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان، والقرآن يهيئ القلوب والأذهان بلا جمود ولا تحجر حين يقول : ويخلق مالا تعلمون .
والفوج الثاني من آيات الخلق والنعمة، هو :
إنزال الماء وإنبات النبات والمرعى والزروع التي يأكل منها الإنسان مع الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من أشجار الثمار.
والفوج الثالث من أفواج الآيات :
تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، وكلها ذات أثر حاسم في حياة الإنسان ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون، كل أولئك طرف من حكمة التدبير، وتناسق النواميس في الكون كله. يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل : إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . ( النحل : ١٢ ).
والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق الله للإنسان : وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون . ( النحل : ١٣ ).
امتن الله على عباده بما خلق لهم في الأرض من ألوان المنافع، وبما أودعه فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان ولفت أنظارهم إلى هذه الذخائر المخبوءة في الأرض، المودوعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوما بعد يوم، ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها، وكما قيل : إن كنزا منها قد نفذ أعقبه كنز آخر غنى، من رزق الله المدخر للعباد قال تعالى : إن في ذلك لآية لقوم يذكرون .
ثم امتن سبحانه على عباده بالبحر المالح وما يشتمل عليه من صنوف النعم ؛ فمنها : اللحم الطري من السمك وغيره للطعام، وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان وغيرها من الأصداف والقواقع.
ومنها : مرور السفن تمخر عباب البحر، وتيسر المصالح وتبادل المنافع بين الناس قال تعالى : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . ( النحل : ١٤ ).
وعندما ينتهي استعراض النعم يبين القرآن : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق وأن نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى.
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . ( النحل : ١٨ ).
وحدة الألوهية
تتعرض الآيات من ٢٢ إلى٥٠ في سورة النحل، لتقرير وحدة الألوهية فيقول سبحانه : وإلهكم إله واحد .
وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة وهي : أن هذا الكون البديع المنظم لا يحفظ نظامه إلا إله واحد والذين لا يسلمون بهذه الحقيقة ؛ قلوبهم منكرة ؛ فالجحود صفة كامنة فيها، والعلة أصيلة في نفوسهم المريضة، وطباعهم المعاندة المتكبرة عن الإقرار الإذعان والتسليم.
وتختم هذه الآيات بمشهد مؤثر ؛ مشهد الظلال في الأرض كلها ساجدة لله ومعها ما في السماوات وما في الأرض من دابة، والملائكة قد برئت نفوسهم من الاستكبار وامتلأت بالخوف من الله والطاعة لأمره بلا جدال. هذا المشهد الخاشع الطائع يقابل صورة المستكبرين المتكبرة قلوبهم في مفتتح هذه المجموعة من الآيات.
وبين المطلع والختام يستعرض السياق مقولات أولئك المستكبرين المنكرين للوحي والقرآن ؛ إذ يزعمون : أنه أساطير الأولين، ومقولاتهم عن أسباب شركهم بالله وتحريمهم ما لم يحرمه الله ؛ إذ يدعون : أن الله أراد منهم الشر وارتضاه. ومقولاتهم عن البعث والقيامة ؛ إذ يقسمون جهدهم : لا يبعث الله من يموت، ويتولى الرد على مقولاتهم جميعا، ويعرض في ذلك مشاهد احتضارهم ومشاهد بعثهم وفيها يتبرءون من تلك المقولات الباطلة كما يعرض بعض مصارع الغابرين من المكذبين أمثالهم ويخوفهم أخذ الله في ساعة من ليل أو نهار وهم لا يشعرون وهم في تقلبهم في البلاد، أو وهم على تخوف وتوقع وانتظار للعذاب.
إلى جوار هذا يعرض صورا عن مقولات المتقين المؤمنين وما ينتظرهم عند الاحتضار ويوم البعث من طيب الجزاء... وينتهي هذا الدرس بذلك المشهد الخاشع الطائع للظلال والدواب والملائكة في الأرض والسماء والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود وهو أقصى مظاهر الخضوع ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة أي : الراجعة بعد امتداد وهي حركة لطيفة خفيفة ذات دبيب في المشاعر والأعماق، ويرسم المخلوقات داخرة أي : خاضعة خاشعة ويضم إليها ما في السماوات وما في الأرض من دابة ويضيف إلى الحشد الكوني.. الملائكة في مقام خشوع وخضوع وعبادة وسجود، قال تعالى : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون*يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون . ( النحل : ٥٠، ٤٩ ).
أدلة الوحدانية
تستمر الآيات من ٥١ إلى٧٦ في سورة النحل في إثبات قضية الألوهية الواحدة التي لا تتعدد، تبدأ فتق
المفردات :
مثل السوء : الصفة السوء، وهي احتياجهم إلى الولد، وكراهتهم للبنات ؛ خوف الفقر والعار.
ولله المثل الأعلى : الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا هو، وأن له جميع صفات الجلال والكمال.
التفسير :
للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم .
أي : للذين لا يؤمنون بالآخرة، وما فيها من حساب وثواب وعقاب ؛ مثل السوء . أي : صفة السوء، التي هي كالمثل في القبح، وهي وأدهم البنات، وقولهم : الملائكة بنات الله، وفرحهم بولادة الذكور، وكرههم لولادة الأنثى، فهذه الصفات تدل على صلفهم وغبائهم وسوء تفكيرهم.
ولله المثل الأعلى أي : الصفة العليا، وهي أنه الواحد الأحد، المنزه عن الوالد والولد، والمتصف بكل كمال، والمنزه عن كل نقص، فهو العليّ العظيم القادر الوهّاب، العليم الحكيم العزيز الملك القدوس السلام، المؤمن، المهيمن الجبار القهار، الخالق البارئ المصور، بيده الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير.
وهو العزيز في ملكه بحيث لا يغلبه غالب.
الحكيم في أفعاله وأقواله.
قال الشوكاني :
للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء .
هذا وجه آخر في الردّ على من قال عن الملائكة : إنها بنات الله، فإن الولد مثل أبيه، أي : اختاروا أضعف الجنسين ؛ ليكون عندهم مثلا لله، بل لهؤلاء الذين وصفوا الله سبحانه بهذه القبائح الفظيعة، مثل السوء ، أي : صفة السوء من الجهل والكفر بالله.
ولله المثل الأعلى . من الغنى الكامل والجود الشامل والعلم الواسع٤٠.
تفسير القرآن الكريم
شحاته