ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦:واستعرض كتاب الله صورا من معتقدات المشركين وآرائهم السخيفة، في معرض النقض والإبطال، وفي طليعة هذه المعتقدات الباطلة، ما كان المشركون يخصصونه للأصنام والأوثان، من أنعام لا يركبونها ولا يذوقون لحومها، ومن عطايا ونذور لا يقتطعون منها شيئا، وما كانوا ينسبون لمقام الألوهية من اختيار البنات، وهي الملائكة في نظرهم.
واستنكر كتاب الله سخافة عقولهم، وسماجة عوائدهم، التي كانت تقضي باحتقار الأنثى والتشاؤم بها، مستغربا كيف أنهم تجرأوا على أن يختاروا لله في زعمهم ما يكرهونه لأنفسهم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ويجعلون لما لا يعلمون ، أي : للأصنام والأوثان، التي لا سند لها من العلم والدين، وإنما جرهم إلى عبادتها، الجهل والوهم والتقليد. نصيبا مما رزقناهم، تالله لتسألن عما كنتم تفترون، ويجعلون لله البنات سبحانه، ولهم ما يشتهون، وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ، أي : ظل وجهه كئيبا من الهم، وهو ساكت من شدة الحزن، يكظم غيظه وهمه. يتوارى من القوم ، أي : يختفي حتى لا يراه الناس، وذلك : من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ، وهذه إشارة إلى ما كان يقدم عليه بعض المشركين من وأد البنات وهن أحياء، وما كان يقوم به البعض الآخر من إبقائهن أحياء، لكن في حالة من الضعة والهوان، وفي هذا الموضوع نفسه، ورد في مكان آخر من هذا الربع، قوله تعالى : ويجعلون لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى، لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ، وقوله تعالى : تنزيها للحق سبحانه عن كل ذلك : ولله المثل الأعلى، وهو العزيز الحكيم .



ونبه كتاب الله إلى ما تواطأ عليه البشر في مختلف العصور، من تظالم فيما بينهم بالبغي والعدوان، رغما عما أمرهم الله به من التزام العدل، وما تواطأوا عليه من ظلم يرتكبونه في حق خالقهم ورازقهم، بالشرك وعبادة الأوثان، رغما عما هداهم إليه من عقيدة التوحيد، وبين أن رحمة الله وحكمته اقتضتا أن تستمر عمارة الأرض إلى اليوم الموعود، فأخر لذلك مؤاخذتهم على ظلمهم، وتركهم يتقلبون في نعمه إلى حلول أجلهم، حتى إذا ما حل الأجل أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وذلك قوله تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ، أي : لأباد من الأرض الحياة والأحياء، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .
وواضح أن " المؤاخذة " التي يؤخرها الله عن الظالمين، هي المؤاخذة الكلية التي لا تبقي ولا تذر، أما مؤاخذتهم الجزئية بالخوف، والجوع، والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وتسليط الكوارث والأزمات، وقيام الفتن والحروب، فهي ملازمة لهم، مستمرة معهم إلى يوم الدين، على حد قوله تعالى : فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون |النحل : ١١٢|، وقوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات |البقرة : ١٥٥|.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير