ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: مِمَّا فِي بُطُونِهَا [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١]، وَيَجُوزُ هَذَا وَهَذَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [الْمُدَّثِّرِ: ٥٤، ٥٥]، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ [النَّمْلِ: ٣٥، ٣٦] أَيِ: الْمَالُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا أَيْ: يَتَخَلَّصُ الدَّمُ بَيَاضَهُ وَطَعْمَهُ وَحَلَاوَتَهُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ، فَيَسْرِي كلٌ إِلَى مَوْطِنِهِ، إِذَا نَضِجَ الْغِذَاءُ فِي مَعِدَتِهِ تَصَرَّفَ (١) مِنْهُ دَمٌ إِلَى الْعُرُوقِ، وَلَبَنٌ إِلَى الضَّرْعِ (٢) وَبَوْلٌ إِلَى الْمَثَانَةِ، وَرَوْثٌ إِلَى الْمَخْرَجِ، وَكُلٌّ مِنْهَا لَا يَشُوبُ الْآخَرَ وَلَا يُمَازِجُهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ أَيْ: لَا يَغَصُّ بِهِ أَحَدٌ (٣).
وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّبَنَ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ شَرَابًا لِلنَّاسِ سَائِغًا (٤)، ثَنَّى بِذِكْرِ مَا يَتَّخِذُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ، وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا دَلَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ شَرْعًا قَبْلَ تَحْرِيمِهِ، وَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ السَّكَر الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ، وَالْمُتَّخَذِ مِنَ النَّخْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا حُكْم سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ، كَمَا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ (٥) ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا قَالَ: السَّكَر: مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا أُحِلَّ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا. وَفِي رِوَايَةٍ: السَّكر حَرَامُهُ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ حَلَالُهُ. يَعْنِي: مَا يَبِسَ مِنْهُمَا مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ، وَمَا عُمِلَ مِنْهُمَا مِنْ طِلَاءٍ -وَهُوَ الدِّبس (٦) -وَخَلٍّ وَنَبِيذٍ، حَلَالٌ يُشْرَبُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ، كَمَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ نَاسَبَ ذِكْرُ الْعَقْلِ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ مَا فِي الْإِنْسَانِ؛ وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَشْرِبَةَ الْمُسْكِرَةَ صِيَانَةً لِعُقُولِهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: ٣٤ -٣٦].
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
الْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هَاهُنَا: الْإِلْهَامُ وَالْهِدَايَةُ وَالْإِرْشَادُ إِلَى النَّحْلِ أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا تَأْوِي إِلَيْهَا، وَمِنَ الشَّجَرِ، وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ هِيَ مُحْكَمَةٌ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ فِي تَسْدِيسِهَا وَرَصِّهَا، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا خلَل.

(١) في ت، ف: "يصرف".
(٢) في أ: "الضروع".
(٣) في ت، ف، أ: "أحد به".
(٤) في ف: "وسائغا".
(٥) في ف: "قاله".
(٦) الطلاء: الشراب المطبوخ من عصير العنب، وأما الدبس: فهو عسل التمر وعصارته.

صفحة رقم 581

ثُمَّ أَذِنَ لَهَا تَعَالَى إِذْنًا قَدَرِيًّا تَسْخِيرِيًّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَأَنْ تَسْلُكَ الطُّرُقَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مُذَلَّلَةً، أَيْ: سَهْلَةً عَلَيْهَا حَيْثُ شَاءَتْ فِي هَذَا الْجَوِّ الْعَظِيمِ وَالْبَرَارِي الشَّاسِعَةِ، وَالْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ الشَّاهِقَةِ، ثُمَّ تَعُودُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى مَوْضِعِهَا وَبَيْتِهَا، لَا تَحِيدُ عَنْهُ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً، بَلْ إِلَى بَيْتِهَا وَمَا لَهَا فِيهِ مِنْ فِرَاخٍ وَعَسَلٍ، فَتَبْنِي الشَّمْعَ مِنْ أَجْنِحَتِهَا، وَتَقِيءُ الْعَسَلَ مِنْ فِيهَا (١) وَتَبِيضُ الْفِرَاخَ مِنْ دُبُرِهَا، ثُمَّ تُصْبِحُ إِلَى مَرَاعِيهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا أَيْ: مُطِيعَةً. فَجَعَلَاهُ حَالًا مِنَ السَّالِكَةِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧٢] قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ النَّحْلَ (٢) مِنْ بُيُوتِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَهُوَ يَصْحَبُهُمْ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الطَّرِيقِ، أَيْ: فَاسْلُكِيهَا مذلَّلةً لَكِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ (٣).
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخ، حَدَّثَنَا سُكَيْن (٤) بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَالذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا النَّحْلَ" (٥).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ أَيْ: مَا بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْوَانِ الْحَسَنَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاعِيهَا وَمَأْكَلِهَا مِنْهَا (٦).
وَقَوْلُهُ: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ أَيْ: فِي الْعَسَلِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَدْوَاءٍ تَعْرِضُ لَهُمْ. قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الطِّبِّ النَّبَوِيِّ: لَوْ قَالَ فِيهِ: "الشِّفَاءُ لِلنَّاسِ" لَكَانَ دَوَاءً لِكُلِّ دَاءٍ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ أَيْ: يَصْلُحُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَدْوَاءٍ بَارِدَةٍ، فَإِنَّهُ حَارٌّ، وَالشَّيْءُ يُدَاوَى بِضِدِّهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْر (٧) فِي قَوْلِهِ: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا الْعَسَلَ، وَلَمْ يُتَابَعْ مُجَاهِدٌ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْآيَةَ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يُونُسَ: ٥٧].
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ هُوَ الْعَسَلُ -الحديثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا (٨) مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي استَطْلَق بطنُه. فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلًا". فَسَقَاهُ عَسَلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَمَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! قَالَ: "اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا". فَذَهَبَ فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فقال رسول

(١) في ت: "فمها".
(٢) في ت، ف، أ: "ينتقلون بالنحل".
(٣) في ت، ف: "متجه".
(٤) في ت، ف: "مسكين".
(٥) مسند أبي يعلى (٧/٢٣١) وحسنه البوصيري كما في حاشية المطالب العالية (٢/ ٢٩٦).
(٦) في أ: "منه".
(٧) في أ: "جبير".
(٨) في ف: "صحيحيهما".

صفحة رقم 582

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ! اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا". فَذَهَبَ فَسَقَاهُ فَبَرِئَ (١).
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ: كَانَ هَذَا الرَّجُلُ عِنْدَهُ فَضَلَاتٌ، فَلَمَّا سَقَاهُ عَسَلًا وَهُوَ حَارٌّ تَحَلَّلَتْ، فَأَسْرَعَتْ فِي الِانْدِفَاعِ، فَزَادَ إِسْهَالُهُ، فَاعْتَقَدَ (٢) الْأَعْرَابِيُّ أَنَّ هَذَا يَضُرُّهُ وَهُوَ مَصْلَحَةٌ لِأَخِيهِ، ثُمَّ سَقَاهُ فَازْدَادَ التَّحْلِيلُ وَالدَّفْعُ، ثُمَّ سَقَاهُ فَكَذَلِكَ، فَلَمَّا انْدَفَعَتِ الْفَضَلَاتُ الْفَاسِدَةُ الْمُضِرَّةُ بِالْبَدَنِ اسْتَمْسَكَ بَطْنُهُ، وَصَلُحَ مِزَاجُهُ، وَانْدَفَعَتِ الْأَسْقَامُ وَالْآلَامُ بِبَرَكَةِ إِشَارَتِهِ، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (٣).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. هَذَا (٤) لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (٥).
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطةِ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ" (٦).
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيل، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ، أَوْ يكونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ: فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ، بِهِ (٧).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "ثَلَاثٌ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ: فشَرْطة مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةُ عَسَلٍ، أَوْ كيَّة تُصِيبُ أَلَمًا، وَأَنَا أَكْرَهُ الْكَيَّ وَلَا أُحِبُّهُ" (٨).
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَلّول (٩) الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ، [عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ] (١٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، بِهِ. وَلَفَظُهُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ: فَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ"... وَذَكَرَهُ (١١) وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ (١٢) بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا علي بن سلمة

(١) صحيح البخاري برقم (٥٧١٦) وصحيح مسلم برقم (٢٢١٧).
(٢) في ف: "واعتقد".
(٣) انظر: زاد المعاد لابن القيم (٤/٣٣-٣٦) وفتح الباري لابن حجر (١٠/١٦٩، ١٧٠).
(٤) في ف: "وهذا".
(٥) صحيح البخاري برقم (٥٦٨٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٧٤).
(٦) صحيح البخاري برقم (٥٦٨٠، ٥٦٨١).
(٧) صحيح البخاري برقم (٥٦٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٢٠٥).
(٨) المسند (٤/١٤٦).
(٩) في هـ، ف: "مملول" وفي أ: "سلول" والمثبت من المعجم للطبراني.
(١٠) زيادة من المعجم الكبير للطبراني.
(١١) المعجم الكبير (١٧/١٨٨) والمعجم الأوسط برقم (٩٣٣٥) ومجمع البحرين برقم (٤١٦٥).
تنبيه: وقع في المعجم الأوسط عن أبي عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الله بن الوليد به، وقال: "لم يروه عن عبد الله بن الوليد إلا سعيد" وقد رايته في المعجم الكبير رواه عنه شريح، فلا أدري هل هو خطأ أم لا؟ والله أعلم.
(١٢) في ت، ف: "يزيد".

صفحة رقم 583

-هُوَ اللَّبَقِيُّ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلُ وَالْقُرْآنُ" (١).
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيع، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-بِهِ مَوْقُوفًا (٢) : وَلَهو (٣) أَشْبَهُ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الشِّفَاءَ فَلْيَكْتُبْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي صَحْفَة، وَلْيَغْسِلْهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَلْيَأْخُذْ مِنِ امْرَأَتِهِ دِرْهَمًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا فَلْيَشْرَبْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ (٤). أَيْ: مِنْ وُجُوهٍ، قَالَ اللَّهُ: وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢] وَقَالَ: وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق: ٩] وَقَالَ: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النِّسَاءِ: ٤]، وَقَالَ فِي الْعَسَلِ: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاش، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَعِق الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ" (٥).
الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَتْرُوكٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَرْح الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ (٦) السَّكْسَكي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عبَلة. سمعت أبا أبي ابن أُمِّ حَرَام -وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بالسَّنَى والسَّنُّوت، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: "الْمَوْتُ".
قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: "السَّنُّوت": الشِّبْتُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الْعَسَلُ الَّذِي [يَكُونُ] (٧) فِي زِقَاق السَّمْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
هُمُ السَّمْنُ بالسَّنُّوت لَا ألْسَ فِيهِمْ... وَهُمْ يَمنَعُونَ الجارَ أنْ يُقَرَّدا...
كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٨). وَقَوْلُهُ: "لَا ألْسَ فِيهِمْ" أَيْ: لَا خَلْطَ. وَقَوْلُهُ: "يَمْنَعُونَ الْجَارَ أَنْ يقَرَّدا"، [أَيْ يُضْطَهَدَ وَيُظْلَمَ] (٩).
وَقَوْلُهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أَيْ: إِنَّ فِي إِلْهَامِ اللَّهِ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ الضَّعِيفَةِ الْخِلْقَةِ إِلَى السُّلُوكِ فِي هَذِهِ الْمَهَامَةِ وَالِاجْتِنَاءِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ، ثُمَّ جَمْعِهَا للشمع والعسل، وهو من أطيب

(١) سنن ابن ماجه رقم (٣٤٥٢).
(٢) تفسير الطبري (١٤/ ٩٤) وقال الدارقطني في العلل: "الموقوف أصح".
(٣) في ت، ف: "وهو".
(٤) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٧٠) :"أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن".
(٥) سنن ابن ماجة برقم (٣٤٥٠) وهو منقطع أيضًا، عبد الحميد بن سالم لم يسمعه من أبي هريرة.
(٦) في ف: "بكير".
(٧) زيادة من ت، ف، أ، وسنن ابن ماجة.
(٨) سنن ابن ماجه برقم (٣٤٥٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٢٣) :"إسناده ضعيف" ثم أعله بعمرو السكسكي.
(٩) زيادة من ت، ف، أ.

صفحة رقم 584

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية