ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

ثم ذكر دليلا آخر، فقال :
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذالِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
قلت : أن اتخذي : مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، أو مصدرية، أي : بأن اتخذي. و من : للتبعيض في الثلاثة مواضع، ثم كُلِي : عطف على اتخذي .
يقول الحقّ جلّ جلاله : وأوْحَى ربك إلى النحل ، أي : ألهمها، وقذف في قلوبها ذلك. والوحي على ثلاثة أقسام : وحْيُ إلهام، ووحيُ منام، ووحْيُ أحكام. وقال الراغب : أصل الوحي : الإشارة السريعة، إما بالكلام ؛ رمزًا، وإما بصوت مجرد عن التركيب، أو بإشارة ببعض الجوارح، والكناية. ويقال للكلمة الإلهية التي تُلقى إلى الأنبياء : وحي، وذلك أضْرُبٌ ؛ إما برسول مشاهَد، وإما بسماع كلام من غير معاينة، كسماع موسى كلام الله، وإما بإلقاءٍ في الروع، وإما بإلهام، نحو : وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى [ القَصَص : ٧ ]، وإما تسخير، كقوله : وأوحى ربك إلى النحل ، أو بمنام، كقوله صلى الله عليه وسلم :" انقطع الوحي، وبقي المبشرات ؛ رؤيا المؤمن " ١.
ثم بيَّن ما أوحي إليها فقال : أنِ اتخذي ، أو بأن اتخذي من الجبال بيوتًا تأوين إليها، كالكهوف ونحوها، ومن الشجر بيوتًا، كالأجْبَاح٢ ونحوها، ومما يَعرِشُون ، أي : يهيئون، أو يبنون لك الناس من الأماكن، وإلا لم تأو إليها. وذكرها بحرف التبعيض ؛ لأنها لا تُبنى في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش ؛ من كرْم أو سقف، ولا في كل مكان منها. وإنما سمي ما تبنيه، لتتعسل فيه، بيتًا ؛ تشبيهًا ببناء الإنسان ؛ لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسْمة، التي لا يقوى عليها حُذَّاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة. ولعل ذكره : للتنبيه على ذلك. قاله البيضاوي. قلت : وليس للنحل فعل في الحقيقة، وإنما هو صنع العليم الحكيم في مظاهر النحل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنما كان العسل فيه شفاء للناس ؛ لأن النحل ترعى من جميع العشب، فتأخذ خواص منافعها. وكذلك العارف الكامل يأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، فإذا كان بهذه المنزلة، كان فيه شفاء للقلوب، كل من صحبه، بصدق ومحبة، شفاه الله، وكل من رآه، بتعظيم وصدق، أحياه الله. وقد قالوا في صفة العارف : هو الذي يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيب منه شيئًا، يصفو به كدر كل شيء، ولا يكدر صفوه شيء، قد شغله واحد عن كل شيء، ولم يشغله عن الواحد شيء... إلى غير ذلك من نعوته. وقال الورتجبي : قال أبو بكر الوراق : النحلة لَمَّا تبعت الأمر، وسلكت سبيلها على ما أمرت به، جعل لعابها شفاء للناس، كذلك المؤمن، إذا اتبع الأمر، وحفظ السر، وأقبل على مولاه، جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق، ومن نظر إليه اعتبر، ومن سمع كلامه اتعظ، ومن جالسه سعد. هـ.



١ روي الحديث بلفظ: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات"، أخرجه البخاري في التعبير باب ٥، ومسلم في الصلاة حديث٢٠٧، ومالك في الرؤيا حديث ٣، وأحمد في المسند ١/٢١٩، ٣/٢٦٧، ٥/٤٥٤، ١٢٩..
٢ الأجباح: جمع جبح، وهو موضع النحل في الجبل..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير