ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

ثم قال تَعَالَى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ بَعْضَ مَنَافِعِ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْضَ مَنَافِعِ النَّبَاتِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: فَإِنْ قِيلَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ.
قُلْنَا: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَنُسْقِيكُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ أَيْ مِنْ عَصِيرِهَا وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ نُسْقِيكُمْ قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً بَيَانٌ وَكَشْفٌ عَنْ كُنْهِ الْإِسْقَاءِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْأَعْنابِ عَطْفٌ عَلَى الثَّمَرَاتِ لَا عَلَى النَّخِيلِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْأَعْنَابِ، وَالْعِنَبُ نَفْسُهُ ثَمَرَةٌ وَلَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ أُخْرَى.
المسألة الثَّالِثَةُ: فِي تَفْسِيرِ السَّكَرِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: السَّكَرُ الْخَمْرُ سُمِّيَتْ بِالْمَصْدَرِ مِنْ سَكِرَ سَكَرًا وَسَكْرًا نَحْوُ: رَشِدَ رَشَدًا وَرَشْدًا، وَأَمَّا الرِّزْقُ الْحَسَنُ فَسَائِرُ مَا يُتَّخَذُ مِنَ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ كَالرُّبِّ وَالْخَلِّ وَالدِّبْسِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ فَكَيْفَ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي مَعْرِضِ الْإِنْعَامِ؟
أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ نَزَلَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتِ الْخَمْرُ فِيهِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الْتِزَامِ هَذَا النَّسْخِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مَا في هذه الأشياء من المنافع، وَخَاطَبَ الْمُشْرِكِينَ بِهَا، وَالْخَمْرُ مِنْ أَشْرِبَتِهِمْ فَهِيَ مَنْفَعَةٌ فِي حَقِّهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَبَّهَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّزْقِ الْحَسَنِ فِي الذِّكْرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ السَّكَرُ رِزْقًا حَسَنًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ حَسَنٌ بِحَسَبِ الشَّهْوَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ الرُّجُوعُ عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّكَرَ هُوَ النَّبِيذُ، وَهُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ إِذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَهُوَ حَلَالٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى حَدِّ السُّكْرِ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّكَرَ حَلَالٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرُهُ فِي مَعْرِضِ الْإِنْعَامِ وَالْمِنَّةِ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْخَمْرُ حَرَامٌ لِعَيْنِهَا»
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السَّكَرُ شَيْئًا غَيْرَ الْخَمْرِ، وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ الْمُغَايَرَةَ قَالَ إِنَّهُ النَّبِيذُ الْمَطْبُوخُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّكَرَ هُوَ الطَّعَامُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
جَعَلْتَ أَعْرَاضِ الْكِرَامِ سَكَرَا
أَيْ جَعَلْتَ ذَمَّهُمْ طَعَامًا لَكَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا بِالْخَمْرِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالطَّعَامِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ جَعَلْتَ تَتَخَمَّرُ بِأَغْرَاضِ الْكِرَامِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ جَعَلَ شَغَفَهُ بِغَيْبَةِ النَّاسِ وَتَمْزِيقِ أَعْرَاضِهِمْ جَارِيًا مَجْرَى شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْوُجُوهَ الَّتِي هِيَ دَلَائِلُ مِنْ وَجْهٍ، وَتَعْدِيدٌ لِلنِّعَمِ الْعَظِيمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، قَالَ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ كَانَ عَاقِلًا، عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَيَحْتَجُّ بِحُصُولِهَا عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٨ الى ٦٩]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)

صفحة رقم 235

[في قوله تعالى وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ إِخْرَاجَ الْأَلْبَانِ مِنَ النِّعَمِ، وَإِخْرَاجَ السَّكَرِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ دَلَائِلُ قَاهِرَةٌ، وَبَيِّنَاتٌ بَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ لِهَذَا الْعَالَمِ إِلَهًا قَادِرًا مُخْتَارًا حَكِيمًا، فَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْعَسَلِ مِنَ النَّحْلِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَبُرْهَانٌ سَاطِعٌ عَلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْمَقْصُودِ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: قَوْلُهُ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ يُقَالُ وَحَى وَأَوْحَى، وَهُوَ الْإِلْهَامُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِلْهَامِ أَنَّهُ تَعَالَى قَرَّرَ فِي أَنْفُسِهَا هَذِهِ الْأَعْمَالَ الْعَجِيبَةَ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْهَا الْعُقَلَاءُ مِنَ الْبَشَرِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَبْنِي الْبُيُوتَ الْمُسَدَّسَةَ مِنْ أَضْلَاعٍ مُتَسَاوِيَةٍ، لَا يَزِيدُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِمُجَرَّدِ طِبَاعِهَا، وَالْعُقَلَاءُ مِنَ الْبَشَرِ لَا يُمْكِنُهُمْ بِنَاءُ مِثْلِ تِلْكَ الْبُيُوتِ إِلَّا بِآلَاتٍ وَأَدَوَاتٍ مِثْلَ الْمِسْطَرِ وَالْفِرْجَارِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْهَنْدَسَةِ أَنَّ تِلْكَ الْبُيُوتَ لَوْ كَانَتْ مُشَكَّلَةً بِأَشْكَالٍ سِوَى الْمُسَدَّسَاتِ فَإِنَّهُ يَبْقَى بِالضَّرُورَةِ فِيمَا بَيْنَ تِلْكَ الْبُيُوتِ فُرَجٌ خَالِيَةٌ ضَائِعَةٌ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْبُيُوتُ مُسَدَّسَةً فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى فِيمَا بَيْنَهَا فُرَجٌ ضَائِعَةٌ، فَإِهْدَاءُ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ الضَّعِيفِ إِلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ وَالدَّقِيقَةِ اللَّطِيفَةِ/ مِنَ الْأَعَاجِيبِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّحْلَ يَحْصُلُ فِيمَا بَيْنَهَا وَاحِدٌ يَكُونُ كَالرَّئِيسِ لِلْبَقِيَّةِ، وَذَلِكَ الْوَاحِدُ يَكُونُ أَعْظَمَ جُثَّةً مِنَ الْبَاقِي، وَيَكُونُ نَافِذَ الحكم عَلَى تِلْكَ الْبَقِيَّةِ، وَهُمْ يَخْدِمُونَهُ وَيَحْمِلُونَهُ عِنْدَ الطَّيَرَانِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الْأَعَاجِيبِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا إِذَا نَفَرَتْ مِنْ وَكْرِهَا ذَهَبَتْ مَعَ الْجَمْعِيَّةِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِذَا أَرَادُوا عَوْدَهَا إِلَى وَكْرِهَا ضَرَبُوا الطُّنْبُورَ وَالْمَلَاهِي وَآلَاتِ الْمُوسِيقَى، وَبِوَاسِطَةِ تِلْكَ الْأَلْحَانِ يَقْدِرُونَ عَلَى رَدِّهَا إِلَى وَكْرِهَا، وَهَذَا أَيْضًا حَالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمَّا امْتَازَ هَذَا الْحَيَوَانُ بِهَذِهِ الْخَوَاصِّ الْعَجِيبَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَزِيدِ الذَّكَاءِ وَالْكِيَاسَةِ، وَكَانَ حُصُولُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْكِيَاسَةِ لَيْسَ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْهَامِ وَهِيَ حَالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالْوَحْيِ، لَا جَرَمَ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهَا: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ وَرَدَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [الشُّورَى: ٥١] وَفِي حَقِّ الْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ [الْمَائِدَةِ: ١١١] وَبِمَعْنَى الْإِلْهَامِ فِي حَقِّ الْبَشَرِ قَالَ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [الْقَصَصِ: ٧] وَفِي حَقِّ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَعْنًى خَاصٌّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة الثَّانِيَةُ: قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سُمِّيَ هَذَا الْحَيَوَانُ نَحْلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَحَلَ النَّاسَ الْعَسَلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ النَّحْلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ فِي لُغَةِ الْحِجَازِ، وَلِذَلِكَ أَنَّثَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ كَلُّ جَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ إِلَّا الْهَاءُ.
ثم قال تَعَالَى: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : أَنِ اتَّخِذِي هِيَ «أَنِ» الْمُفَسِّرَةُ، لِأَنَّ الْإِيحَاءَ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَقُرِئَ: بِيُوتًا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ أَيْ يَبْنُونَ وَيَسْقُفُونَ، وَفِيهِ لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا، ضَمُّ الرَّاءِ وَكَسْرُهَا مِثْلُ يَعْكُفُونَ وَيَعْكِفُونَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّحْلَ نَوْعَانِ:

صفحة رقم 236

النوع الْأَوَّلُ: مَا يَسْكُنُ فِي الْجِبَالِ وَالْغِيَاضِ وَلَا يَتَعَهَّدُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ.
وَالنوع الثَّانِي: الَّتِي تَسْكُنُ بُيُوتَ النَّاسِ وَتَكُونُ فِي تَعَهُّدَاتِ النَّاسِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ. وَالثَّانِي: هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَمِمَّا يَعْرِشُونَ وَهُوَ خَلَايَا النَّحْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى «مِنْ» فِي قَوْلِهِ: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ وَهَلَّا قِيلَ فِي الْجِبَالِ وَفِي الشَّجَرِ؟
قُلْنَا: أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ، وَأَنْ لَا تَبْنِيَ بُيُوتَهَا فِي كُلِّ جَبَلٍ وَشَجَرٍ، بَلْ فِي مَسَاكِنَ تُوَافِقُ مَصَالِحَهَا وَتَلِيقُ بِهَا.
المسألة الثَّانِيَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أَمْرٌ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِهَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ عُقُولٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ وَنَهْيٌ. وَقَالَ آخَرُونَ:
لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا غَرَائِزَ وَطَبَائِعَ تُوجِبُ هَذِهِ الْأَحْوَالَ، وَالْكَلَامُ الْمُسْتَقْصَى فِي هَذِهِ المسألة مذكور في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النَّمْلِ: ١٨].
ثم قال تَعَالَى: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ لَفْظَةُ «مِنْ» هاهنا لِلتَّبْعِيضِ أَوْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَرَأَيْتُ فِي «كُتُبِ الطِّبِّ» أَنَّهُ تَعَالَى دَبَّرَ هَذَا الْعَالَمَ عَلَى وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحْدُثُ فِي الْهَوَاءِ طَلٌّ لَطِيفٌ فِي اللَّيَالِي وَيَقَعُ ذَلِكَ الطَّلُّ عَلَى أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ، فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ الطَّلِّيَّةُ لَطِيفَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلَى الْأَوْرَاقِ وَالْأَزْهَارِ، وَقَدْ تَكُونُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ مِنْهَا أَجْزَاءٌ مَحْسُوسَةٌ.
أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ مِثْلُ التَّرَنْجَبِينِ فَإِنَّهُ طَلٌّ يَنْزِلُ مِنَ الْهَوَاءِ وَيَجْتَمِعُ عَلَى أَطْرَافِ الطَّرْفَاءِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ وَذَلِكَ مَحْسُوسٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ الَّذِي أَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا النَّحْلَ حَتَّى أَنَّهَا تَلْتَقِطُ تِلْكَ الذَّرَّاتِ مِنَ الْأَزْهَارِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ بِأَفْوَاهِهَا وَتَأْكُلُهَا وَتَغْتَذِي بِهَا، فَإِذَا شَبِعَتِ الْتَقَطَتْ بِأَفْوَاهِهَا مَرَّةً أُخْرَى شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ وَذَهَبَتْ بِهَا إِلَى بُيُوتِهَا وَوَضَعَتْهَا هُنَاكَ، لِأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَدَّخِرَ لِنَفْسِهَا غِذَاءَهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي بُيُوتِهَا مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الطَّلِّيَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَذَاكَ هُوَ الْعَسَلُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ مِنَ الْأَزْهَارِ الطَّيِّبَةِ وَالْأَوْرَاقِ الْمُعَطَّرَةِ أَشْيَاءَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى يَقْلِبُ تِلْكَ الْأَجْسَامَ فِي دَاخِلِ بَدَنِهَا عَسَلًا، ثُمَّ إِنَّهَا تَقِيءُ مَرَّةً أُخْرَى فَذَاكَ هُوَ الْعَسَلُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَقْلِ وَأَشَدُّ مُنَاسَبَةً إِلَى الِاسْتِقْرَاءِ، فَإِنَّ طَبِيعَةَ التَّرَنْجَبِينِ قَرِيبَةٌ مِنَ الْعَسَلِ فِي الطَّعْمِ وَالشَّكْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ طَلٌّ يَحْدُثُ فِي الْهَوَاءِ وَيَقَعُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَشْجَارِ وَالْأَزْهَارِ فَكَذَا هاهنا. وَأَيْضًا فَنَحْنُ نُشَاهِدُ أَنَّ هَذَا النَّحْلَ إِنَّمَا يَتَغَذَّى بِالْعَسَلِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّا إِذَا اسْتَخْرَجْنَا الْعَسَلَ مِنْ بُيُوتِ النَّحْلِ نَتْرُكُ لَهَا بَقِيَّةً مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ تَغْتَذِيَ بِهَا فَعَلِمْنَا أَنَّهَا إِنَّمَا تَغْتَذِي بِالْعَسَلِ وَأَنَّهَا إِنَّمَا تَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ وَالْأَزْهَارِ لِأَنَّهَا تَغْتَذِي بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ الطَّلِّيَّةِ الْعَسَلِيَّةِ الْوَاقِعَةِ مِنَ الْهَوَاءِ عَلَيْهَا.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كلمة (من) هاهنا تَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَلَا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
ثم قال تَعَالَى: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ وَالْمَعْنَى: ثُمَّ كُلِي كُلَّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَهَا فَإِذَا أَكَلْتِهَا فَاسْلُكِي سُبُلَ

صفحة رقم 237

رَبِّكِ فِي الطُّرُقِ الَّتِي أَلْهَمَكِ وَأَفْهَمَكِ فِي عَمَلِ الْعَسَلِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ: فَاسْلُكِي فِي طَلَبِ تِلْكَ الثَّمَرَاتِ سُبُلَ رَبِّكِ. أما قوله: ذُلُلًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ السُّبُلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَلَّلَهَا لَهَا وَوَطَّأَهَا وَسَهَّلَهَا، كَقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا [الْمُلْكِ: ١٥]. الثَّانِي: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي فَاسْلُكِي أَيْ وَأَنْتِ أَيُّهَا النَّحْلُ ذُلُلٌ مُنْقَادَةٌ لِمَا أُمِرْتِ بِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ.
ثم قال تَعَالَى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها وَفِيهِ بَحْثَانِ:
البحث الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا رُجُوعٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَنْ يَحْتَجَّ الْإِنْسَانُ الْمُكَلَّفُ بِهِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ لِأَحْوَالِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا خَاطَبَ النَّحْلَ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ خَاطَبَ الْإِنْسَانَ وَقَالَ: إِنَّا أَلْهَمْنَا هَذَا النَّحْلَ لِهَذِهِ الْعَجَائِبِ، لِأَجْلِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ.
البحث الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: الْعَسَلُ عِبَارَةٌ عَنْ أَجْزَاءٍ طَلِّيَّةٍ تَحْدُثُ فِي الْهَوَاءِ وَتَقَعُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَشْجَارِ وَعَلَى الْأَوْرَاقِ وَالْأَزْهَارِ، فَيَلْقُطُهَا الزُّنْبُورُ بِفَمِهِ، فَإِذَا ذَهَبْنَا إِلَى هَذَا الوجه كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها أَيْ مِنْ أَفْوَاهِهَا، وَكُلُّ تَجْوِيفٍ فِي دَاخِلِ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى بَطْنًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: بُطُونُ الدِّمَاغِ وَعَنَوْا أَنَّهَا تَجَاوِيفُ الدِّمَاغِ، وكذا هاهنا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا أَيْ مِنْ أَفْوَاهِهَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ النَّحْلَةَ تَأْكُلُ الْأَوْرَاقَ وَالثَّمَرَاتِ ثُمَّ تَقِيءُ فَذَلِكَ هُوَ الْعَسَلُ فَالْكَلَامُ ظَاهِرٌ.
ثم قال تَعَالَى: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْعَسَلَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَةِ:
فَالصِّفَةُ الْأُولَى: كَوْنُهُ شَرَابًا وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَارَةً يشرب وحده وتارة يتخذ منه الْأَشْرِبَةِ.
وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ وَالْمَعْنَى: أَنَّ مِنْهُ أَحْمَرَ وَأَبْيَضَ وَأَصْفَرَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [فَاطِرٍ: ٢٧] وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ: إِبْطَالُ الْقَوْلِ بِالطَّبْعِ، لِأَنَّ هَذَا الْجِسْمَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَسَاوِيَ الطَّبِيعَةِ لَمَّا حَدَثَ عَلَى أَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ تِلْكَ الْأَلْوَانِ بِتَدْبِيرِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، لَا لِأَجْلِ إِيجَادِ الطَّبِيعَةِ.
وَالصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وَفِيهِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَسَلِ.
فَإِنْ قَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ شِفَاءً لِلنَّاسِ وهو يضر بالصفراء ويهيج المرار؟
قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ شِفَاءُ لِكُلِّ النَّاسِ وَلِكُلِّ دَاءٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ، بل لما كان شفاء للبعض/ ومن بَعْضِ الْأَدْوَاءِ صَلُحَ بِأَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ فِيهِ شِفَاءٌ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِفَاءٌ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ قَلَّ مَعْجُونٌ مِنَ الْمَعَاجِينِ إِلَّا وَتَمَامُهُ وَكَمَالُهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْعَجْنِ بِالْعَسَلِ، وَأَيْضًا فَالْأَشْرِبَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْهُ فِي الْأَمْرَاضِ الْبَلْغَمِيَّةِ عَظِيمَةُ النَّفْعِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ الْقُرْآنَ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقِصَّةُ تُوَلُّدِ الْعَسَلِ مِنَ النَّحْلِ تَمَّتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ثُمَّ ابْتَدَأَ وَقَالَ: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ أي في

صفحة رقم 238

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية