قوله : والخيل والبغال والحمير العامة على نصبها ؛ نسقاً على الأنعام، وقرأ ابن أبي عبلة برفعها١ على الابتداء، والخبر محذوف، أي : مخلوقةٌ ومعدَّة لتركبوها، وليس هذا ممَّا ناب فيه الجارُّ مناب الخبر لكونه كوناً خاصًّا.
قال القرطبي٢ :" وسُمِّيت الخيل خيلاً لاختيالها في مشيها، وواحد الخيل خائل، كضَائن واحد ضأن. وقيل : لا واحد له، ولما أفرد - سبحانه وتعالى - الخيل، والبغال، والحمير، بالذكر ؛ دلَّ على أنَّها لم تدخل في لفظ الأنعام. وقيل : دخلتْ ؛ ولكن أفردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب، فإنَّه يكثر في الخيل والبغال والحمير ".
قوله :" وَزِينَةً " في نصبها أوجهٌ :
أحدها : أنه مفعولٌ من أجله وإنَّما وصل الفعل إلى الأول باللام في قوله تعالى : لِتَرْكَبُوهَا وإلى هذا بنفسه لاختلاف الشَّرط في الأول، وعدم اتحاد الفاعل، وأنَّ الخالق الله والراكب المخاطبون.
الثاني : أنَّها منصوبة على الحال، وصاحبُ الحال إمَّا مفعول " خَلَقَهَا " وإمَّا مفعول " لِترْكَبُوهَا " فهو مصدر، وأقيم مقام الحالِ.
الثالث : أن ينتصب بإضمار فعلٍ، فقدره الزمخشريُّ - رحمه الله - وخلقها زينة.
وقدره ابن عطيَّة وغيره : وجعلها زينةً.
الرابع : أنَّه مصدرٌ لفعلٍ محذوف أي :" ولتتَزيَّنُوا بِهَا زينةً ".
وقرأ قتادة عن ابن أبي عامر :" لتَرْكَبُوهَا زِينَةً " بغير واوٍ، وفيها الأوجه المتقدمة ؛ ويريد أن يكون حالاً من فاعل " لِترْكبُوهَا " متزينين.
فصل
لمَّا ذكر منافع الحيوان التي ينتفع بها من المنافع الضرورية، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ليست بضرورية فقال : والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ، والخيل اسم جنسٍ لا واحد له من لفظه كالإبل.
واحتجَّ القائلون بتحريمِ لحومِ الخيلِ ؛ وهو قول ابن عباسٍ، والحكم، ومالك، وأبي حنيفة - رضي الله عنهم - بهذه الآيةِ، قالوا : منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، فلو كان أكل لحوم الخيل جائزاً ؛ لكان هذا المعنى أولى بالذِّكر، وحيث لم يذكره الله - تعالى - علمنا تحريم أكله.
ويقوِّي هذا الاستدلال : أنَّه قال - تعالى - في صفة الأنعام وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وهذه الكلمة تفيد الحصر، فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعامِ فوجب أن يحرَّم أكل لحوم الخيل بمقتضى هذا الحصرِ.
ثمَّ إنَّه - تعالى - ذكر بعد هذا الكلام الخيل والبغال والحمير، وذكر سبحانه أنها مخلوقة للركوب، وهذا يقتضي أن منفعة الأكلِ مخصوصة بالأنعام.
وأيضاً قوله تعالى : لِتَرْكَبُوهَا يقتضي أنَّ تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة، هو الركوبُ والزينةُ، ولو حلَّ أكلها لما كان تمامُ المقصود من خلقها هو الركوب، بل كان حلُّ أكلها أيضاً مقصوداً ؛ وحينئذٍ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصودِ ؛ بل يصير بعض المقصودِ.
وأجاب الواحديُّ - رحمه الله- : بأنَّه لو دلَّت هذه الآية على تحريم أكل الخيل ؛ لكان تحريم أكلها معلوماً في مكَّة ؛ لأنَّ هذه السورة مكية.
ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدِّثين إنَّ تحريم لحوم الحمر الأهلية كان عام خيبر باطلاً ؛ لأنَّ التحريم لما كان حاصلاًُ قبل هذا اليوم، لم يبق لتخصيص هذا التَّحريم بهذه [ السنة ]٣ فائدة.
وأجاب غيره : بأنه ليس المراد من الآية بيان التَّحليل والتحريم ؛ بل المراد منه أن يعرِّف الله - تعالى - عباده نعمه، وتنبيههم على كمالِ قدرته وحكمته.
واحتجُّوا بقولِ جابر - رضي الله عنه- :" نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبرٍ عَنْ لَحومِ الحُمرِ ورخَّصَ في لُحومِ الخَيْلِ " ٤.
ولمَّا ذكر - تعالى - أصناف الحيوانات المنتفع بها، ذكر بعده الأشياء التي لا ينتفع غالباً بها فذكرها على سبيل الإجمال.
فقال سبحانه وتعالى : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وذلك لأنَّ أنواعها وأصنافها خارجة عن الإحصاء ؛ فذكر ذلك على سبيل الإجمال.
وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال :" إنَّ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ نَهْراً مِنْ نُورٍ مِثلَ السَّمواتِ السَّبْع والبِحار السَّبعَة والأرضين السبع يَدخُل فيه جِبْريلُ - عليه الصلاة والسلام - كُلَّ سحرٍ فيزْدادُ نُوراً إلى نُورهِ وجَمالاً إلى جَمالهِ، ثُمَّ ينتفِضُ فيَخْلقُ الله - سبحانه وتعالى - مِنْ كُلِّ نُقْطَة تقع مِن رِيشهِ كذا وكذا ألْفَ مَلك، يَدخلُ مِنهُم كُلَّ يَومٍ سَبعُونَ ألفاً البيتَ المَعْمُورَ، وفي الكَعْبةِ أيضاً سَبْعُون ألفاً لا يعُودُونَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ " ٥.
٢ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/٤٩..
٣ في ب: الشبهة..
٤ أخرجه البخاري (٩/٥٦٥) كتاب الذبائح والصيد: باب لحوم الخيل (٥٥٢٠) ومسلم (١٥٤١٣) كتاب الصيد والذبائح: باب في أكل لحوم الخيل حديث (٣٦/١٩٤١) وأبو داود (٣٧٨٨) والدارمي (٢/٨٧) والبيهقي (٩/ ٣٢٦ ـ ٣٢٧) وأحمد (٣/٣٦١) والطحاوي (٢/٣١٨) والبغوي في "شرح السنة" (٦/٤٧) من طرق عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر به..
٥ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٩/١٨٤)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود