ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

إِلَى مَرَاحِهَا حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلًا، وَيُقَالُ: سَرَّحَ الْقَوْمُ إِبِلَهُمْ سَرْحًا إِذَا أَخْرَجُوهَا بِالْغَدَاةِ إِلَى الْمَرْعَى. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هَذِهِ الْإِرَاحَةُ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ أَيَّامَ الرَّبِيعِ إِذَا سَقَطَ الْغَيْثُ وَكَثُرَ الْكَلَأُ وَخَرَجَتِ الْعَرَبُ لِلنُّجْعَةِ، وَأَحْسَنُ مَا يَكُونُ النَّعَمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ وَجْهَ التَّجَمُّلِ بِهَا أَنَّ الرَّاعِيَ إِذَا رَوَّحَهَا بِالْعَشِيِّ وَسَرَّحَهَا بِالْغَدَاةِ تَزَيَّنَتْ عِنْدَ تِلْكَ الْإِرَاحَةِ وَالتَّسْرِيحِ الْأَفْنِيَةُ، وَتَجَاوَبَ فِيهَا الثُّغَاءُ وَالرُّغَاءُ، وَفَرِحَتْ أَرْبَابُهَا وَعَظُمَ وَقْعُهُمْ عِنْدَ النَّاسِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَالِكِينَ لَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُدِّمَتِ الْإِرَاحَةُ عَلَى التَّسْرِيحِ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ الْجَمَالَ فِي الْإِرَاحَةِ أَكْثَرُ. لِأَنَّهَا تُقْبِلُ مَلْأَى الْبُطُونِ حَافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ اجْتَمَعَتْ فِي الْحَظَائِرِ حَاضِرَةً لِأَهْلِهَا بِخِلَافِ التَّسْرِيحِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا إِلَى الْمَرْعَى تَخْرُجُ جَائِعَةً عَادِمَةَ اللَّبَنِ ثُمَّ تَأْخُذُ فِي التَّفَرُّقِ وَالِانْتِشَارِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْجَمَالَ فِي الْإِرَاحَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي التَّسْرِيحِ.
وَالْمَنْفَعَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: الْأَثْقَالُ جَمْعُ ثَقَلٍ وَهُوَ مَتَاعُ الْمُسَافِرِ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
يُرِيدُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. أَوْ إِلَى الْيَمَنِ. أَوْ إِلَى الشَّامِ. أَوْ إِلَى مِصْرَ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ كُلُّ بَلَدٍ لَوْ تَكَلَّفْتُمْ بُلُوغَهُ عَلَى غَيْرِ إِبِلٍ لَشَقَّ عَلَيْكُمْ وَخَصَّ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْبِلَادَ، لَأَنَّ/ مَتَاجِرَ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَتْ إِلَى هَذِهِ الْبِلَادِ، وَقُرِئَ: بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بِكَسْرِ الشِّينِ وَفَتْحِهَا، وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَلَى كَسْرِ الشِّينِ. وَالشِّقُّ الْمَشَقَّةُ وَالشَّقُّ نِصْفُ الشيء، وحمل اللفظ هاهنا عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ جَائِزٌ، فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى المشقة كان المعنى: لم تكونوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى نِصْفِ الشيء كان المعنى: لم تكونوا بَالِغِيهِ إِلَّا عِنْدَ ذَهَابِ النِّصْفِ مِنْ قُوَّتِكُمْ أَوْ مِنْ بَدَنِكُمْ وَيَرْجِعُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى الْمَشَقَّةِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها الْإِبِلُ فَقَطْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَصَفَهَا فِي آخِرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْإِبِلِ.
قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ تَعْدِيدُ مَنَافِعِ الْأَنْعَامِ فَبَعْضُ تِلْكَ الْمَنَافِعِ حَاصِلَةٌ فِي الْكُلِّ وَبَعْضُهَا مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حَاصِلٌ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِثْلَ حُصُولِهِ فِي الْإِبِلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ مُنْكِرُو كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْجِمَالِ وَمُثْبِتُو الْكَرَامَاتِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَوْلِيَاءَ قَدْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ بَعِيدٍ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْآيَةِ فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَلَمَّا بَطُلَ الْقَوْلُ بِالْكَرَامَاتِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَطُلَ الْقَوْلُ بِهَا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّا نُخَصِّصُ عُمُومَ هَذِهِ الْآيَةِ بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات. والله أعلم.
[سورة النحل (١٦) : آية ٨]
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)

صفحة رقم 176

اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَنَافِعَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يَنْتَفِعُ الْإِنْسَانُ بِهَا فِي الْمَنَافِعِ الضَّرُورِيَّةِ وَالْحَاجَاتِ الْأَصْلِيَّةِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ مَنَافِعَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي الْمَنَافِعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ، فَقَالَ: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: قَوْلُهُ: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ عَطَفَ عَلَى الْأَنْعَامِ، أَيْ وَخَلَقَ الْأَنْعَامَ لِكَذَا وَكَذَا، وَخَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِلرُّكُوبِ. وَقَوْلُهُ: وَزِينَةً أَيْ وَخَلَقَهَا زِينَةً، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تعالى: زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً [فُصِّلَتْ: ١٢] الْمَعْنَى: وَحَفِظْنَاهَا حِفْظًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: نُصِبَ قَوْلُهُ: وَزِينَةً عَلَى أنه مفعول له. والمعنى: وخالقها لِلزِّينَةِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِ لُحُومِ الْخَيْلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ. فَقَالُوا مَنْفَعَةُ الْأَكْلِ أَعْظَمُ/ مِنْ مَنْفَعَةِ الرُّكُوبِ، فَلَوْ كَانَ أَكْلُ لَحْمِ الْخَيْلِ جَائِزًا لَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى بِالذِّكْرِ، وَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلِمْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَقْوَى هَذَا الِاسْتِدْلَالُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ تَعَالَى قال في صفة الأنعام: وَمِنْها تَأْكُلُونَ [النحل: ٥] وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تُفِيدُ الْحَصْرَ، فَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْعَامِ، فَوَجَبَ أَنْ يحرم مَخْلُوقَةٌ لِلرُّكُوبِ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَنْعَامِ وَغَيْرُ حَاصِلَةٍ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: لِتَرْكَبُوها يَقْتَضِي أَنَّ تَمَامَ الْمَقْصُودِ مِنْ خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ هُوَ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ، وَلَوْ حَلَّ أَكْلُهَا لَمَا كَانَ تَمَامُ الْمَقْصُودِ مِنْ خَلْقِهَا هُوَ الرُّكُوبُ، بَلْ كَانَ حِلُّ أَكْلِهَا أَيْضًا مَقْصُودًا، وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ جَوَازُ رُكُوبِهَا عَنْ أَنْ يَكُونَ تَمَامَ الْمَقْصُودِ، بَلْ يَصِيرُ بَعْضَ الْمَقْصُودِ.
وَأَجَابَ الْوَاحِدِيُّ بِجَوَابٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَقَالَ: لَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ لَكَانَ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا مَعْلُومًا فِي مَكَّةَ لِأَجْلِ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ حُرِّمَتْ عَامَ خَيْبَرَ بَاطِلًا، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمَّا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ لَمْ يَبْقَ لِتَخْصِيصِ هَذَا التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ فَائِدَةٌ، وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ مَتِينٌ.
المسألة الثَّالِثَةُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِالْمَصَالِحِ وَالحكم، احْتَجُّوا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ مَخْلُوقَةٌ لِأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [إِبْرَاهِيمَ: ١] وَقَوْلُهُ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذَّارِيَاتِ: ٥٦] وَالْكَلَامُ فِيهِ مَعْلُومٌ.
المسألة الرَّابِعَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَلِيَجْعَلَهَا زِينَةً لَكُمْ فَلِمَ تَرَكَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ؟
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لَصَارَ الْمَعْنَى أَنَّ التَّزَيُّنَ بِهَا أَحَدُ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمَقْصُودِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ التَّزَيُّنَ بِالشَّيْءِ يُورِثُ الْعُجْبَ وَالتِّيهَ وَالتَّكَبُّرَ، وَهَذِهِ أَخْلَاقٌ مَذْمُومَةٌ وَاللَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْهَا وَزَجَرَ عَنْهَا فَكَيْفَ يَقُولُ إِنِّي خَلَقْتُ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ لِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَعَانِي بَلْ قَالَ: خَلَقَهَا لِتَرْكَبُوهَا فَتَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ بِوَاسِطَتِهَا ضَرَرَ الْإِعْيَاءِ وَالْمَشَقَّةِ، وَأَمَّا التَّزَيُّنُ بِهَا فَهُوَ حَاصِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، ولكنه غير

صفحة رقم 177

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية