و سكنًا : مصدر وُصف به، أي : شيئًا سكنًا، أو : فَعَلٌ ؛ بمعنى مفعول. و أثاثًا : مفعول بمحذوف، أي : وجعل من أوبارها أثاثًا.
والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا : موضعًا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدَر. و " مِنْ " للبيان، أي : جعل لكم سكنًا، أي : موضعًا تسكنونه، وهو بيوتكم، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا ، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبَر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، تستخفونها أي : تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها يوم ظعنكم ، أي : سفركم، وفيه لغتان : الفتح والسكون، ويوم إقامتكم : حضوركم، أو نزولكم، و جعل من أصوافها ، أي : الغنم، وأوبارها ، أي : الإبل، وأشعارها ، أي : المعز، أثاثًا : متاعًا لبيوتكم ؛ كالبسُط والأكسية، ومتاعًا تمتعون به إلى حينٍ : إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو : إلى مماتكم، أو : إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو : إلى أن تبلى.
والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا - وهي العبودية -، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير مُعَشَّشَ أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعًا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس.
والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالاً، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانًا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام ؛ بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حَرَّ الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإنَّ من عرف الله ؛ حقيقة ؛ هان عليه ما يُواجَهُ به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم :
والمراد بعمامة الماء : كناية عن الحقيقة ؛ لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها : كناية عن قوتها، وتكبيرها ؛ على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج : برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح : هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة - التي هي سراج القلب -، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراجٍ غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر :نِلْبِسٍ عمَامْ مِنِ الماءْ وِنْشِدِّهَا شَدِّ مَائِلْ وِنِلْبِسْ مِنِ الثَّلْجِ بُرْنُسْ إِذا حِمِتِ الْقَوائِلْ وِنِشْعِلْ مِنِ الرِّيحْ قَنْدِيلْ وِمْنِ الضَّبْابْ فَتَائِل
والمراد بالضباب : وجود السِّوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. كُلُّ بَيْتٍ أنت سَاكنُهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلى سُرُجِ وَجْهُكَ المَحْمُودُ حُجَّتُنَا يوم يأْتِي الناس بالحجج
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي