ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

ابن أَبِي الْعِيصِ كَانَ يَكْرَهُ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكْفُلُهُ وَيَكْفِيهِ الْمُؤْنَةَ، وَكَانَ الْآخَرُ يَنْهَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ قَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: كَلٌّ قَالَ: الْكَلُّ: الْعِيَالُ، كَانُوا إِذَا ارْتَحَلُوا حَمَلُوهُ عَلَى بَعِيرٍ ذَلُولٍ، وَجَعَلُوا مَعَهُ نَفَرًا يُمْسِكُونَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ عَنَاءٌ وَعَذَابٌ وَعِيَالٌ عَلَيْهِمْ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَعْنِي نَفْسَهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ هُوَ أَنْ يَقُولَ: كُنْ فَهُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ فَالسَّاعَةُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هِيَ أَقْرَبُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ قَالَ: مِنَ الرَّحِمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: فِي جَوِّ السَّماءِ أَيْ: فِي كبد السماء.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٠ الى ٨٣]
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)
قَوْلُهُ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَالسَّكَنُ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَسْكُونٍ، أَيْ: تَسْكُنُونَ فِيهَا وَتَهْدَأُ جَوَارِحُكُمْ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَوْ شَاءَ لَخَلَقَ الْعَبْدَ مُضْطَرِبًا دَائِمًا كَالْأَفْلَاكِ، وَلَوْ شَاءَ لَخَلَقَهُ سَاكِنًا أَبَدًا كَالْأَرْضِ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ بُيُوتَ الْمُدُنِ، وَهِيَ الَّتِي لِلْإِقَامَةِ الطَّوِيلَةِ عَقَّبَهَا بِذِكْرِ بُيُوتِ الْبَادِيَةِ وَالرِّحْلَةِ، أَيْ: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْأَنْطَاعُ وَالْأُدُمُ بُيُوتًا كَالْخِيَامِ وَالْقِبَابِ تَسْتَخِفُّونَها أَيْ: يَخِفُّ عَلَيْكُمْ حَمْلُهَا فِي الْأَسْفَارِ وَغَيْرِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَالظَّعْنُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا، سَيْرُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِلِانْتِجَاعِ، وَالتَّحَوُّلِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

ظَعَنَ الَّذِينَ فِرَاقُهُمْ أَتَوَقَّعُ وَجَرَى بِبَيْنِهِمُ الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ
وَالظَّعْنُ: الْهَوْدَجُ أَيْضًا. وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً مَعْطُوفٌ عَلَى جَعَلَ أَيْ:
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَصْوَافِ الْأَنْعَامِ وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَالْأَنْعَامُ تَعُمُّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَصْوَافُ لِلْغَنَمِ، وَالْأَوْبَارُ لِلْإِبِلِ، وَالْأَشْعَارُ لِلْمَعْزِ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنَمِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى وَجْهِ التَّنْوِيعِ

صفحة رقم 220

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِوَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي الْإِبِلَ، وَنَوْعَيِ الْغَنَمِ، وَالْأَثَاثُ مَتَاعُ الْبَيْتِ، وَأَصْلُهُ الْكَثْرَةُ وَالِاجْتِمَاعُ، وَمِنْهُ شِعْرٌ أَثِيثٌ: أَيْ كَثِيرٌ مُجْتَمِعٌ، قَالَ الشَّاعِرُ «١» :

وَفَرْعٌ يُزِينُ الْمَتْنَ أَسْوَدُ فَاحِمٍ أَثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ الْمُتَعَثْكِلِ «٢»
قَالَ الْخَلِيلُ: أَثَاثًا، أَيْ: مُنْضَمًّا بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، مِنْ أَثَّ إِذَا أَكْثَرَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا وَاحِدَ لَهُ، وَالْمَتَاعُ:
مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ بِأَنْوَاعِ التَّمَتُّعِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ: إِنَّ الْأَثَاثَ الْمَالُ أَجْمَعُ: الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ وَالْعَبِيدُ وَالْمَتَاعُ، يَكُونُ عَطْفُ الْمَتَاعِ عَلَى الْأَثَاثِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَقِيلَ: إِنَّ الْأَثَاثَ مَا يَكْتَسِي بِهِ الْإِنْسَانُ وَيَسْتَعْمِلُهُ مِنَ الْغِطَاءِ وَالْوِطَاءِ، وَالْمَتَاعُ: مَا يُفْرَشُ فِي الْمَنَازِلِ وَيُتَزَيَّنُ بِهِ، وَمَعْنَى إِلى حِينٍ إلى أن تقضوا أو طاركم مِنْهُ، أَوْ إِلَى أَنْ يَبْلَى وَيَفْنَى، أَوْ إِلَى الْمَوْتِ، أَوْ إِلَى الْقِيَامَةِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ خِيَامٌ، أَوْ أَبْنِيَةٌ يَسْتَظِلُّ بِهَا لِفَقْرٍ، أَوْ لِعَارِضٍ آخَرَ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَسْتَظِلَّ بِشَجَرٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ غَمَامٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا أَيْ: أَشْيَاءَ تَسْتَظِلُّونَ بِهَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظِّلَالَ تَعُمُّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُظِلُّ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْمُسَافِرُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى رُكْنٍ يَأْوِي إِلَيْهِ فِي نُزُولِهِ، وَإِلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ آفَاتِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَهِيَ جَمْعُ كِنٍّ، وَهُوَ مَا يُسْتَكَنُّ بِهِ مِنَ الْمَطَرِ، وَهِيَ هنا الغيران في الجبال، وجعلها اللَّهُ سُبْحَانَهُ عُدَّةً لِلْخَلْقِ يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَتَحَصَّنُونَ بِهَا، وَيَعْتَزِلُونَ عَنِ الْخَلْقِ فِيهَا: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ جَمْعُ سِرْبَالٍ، وَهِيَ الْقُمْصَانُ وَالثِّيَابُ مِنَ الصوف والقطن والكتان وغيرهما. قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَا لَبِسْتَهُ فَهُوَ سِرْبَالٌ، وَمَعْنَى تَقِيكُمُ الْحَرَّ تَدْفَعُ عَنْكُمْ ضَرَرَ الْحَرِّ، وَخَصَّ الْحَرَّ وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَرْدَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ لِأَنَّ مَا وَقَى مِنَ الْحَرِّ وَقَى مِنَ الْبَرْدِ. وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الْحَرِّ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْوِقَايَةَ مِنْهُ كَانَتْ أَهَمَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْوِقَايَةِ مِنَ الْبَرْدِ لِغَلَبَةِ الْحَرِّ فِي بِلَادِهِمْ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ وَهِيَ الدُّرُوعُ وَالْجَوَاشِنُ يَتَّقُونَ بِهَا الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ وَالرَّمْيَ.
والمعنى: أنها تقيم البأس الذي يصل من بعضهم إِلَى بَعْضٍ فِي الْحَرْبِ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أَيْ:
مِثْلُ ذَلِكَ الْإِتْمَامِ الْبَالِغِ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِصُنُوفِ النِّعَمِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا وَبِغَيْرِهَا، وَهُوَ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ سَيُتِمُّ لَهُمْ نِعْمَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ إرادة أن تسلموا، إن مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي هَذِهِ النِّعَمِ لَمْ يَسَعْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ لِلْحَقِّ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ «تَتِمُّ نِعْمَتُهُ» بِتَاءَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهُ نِعْمَتُهُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ تُسْلِمُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ مِنَ السلامة من الْجِرَاحِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنَ الْإِسْلَامِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
وَالِاخْتِيَارُ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ لِأَنَّ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ مِمَّا أَنْعَمَ بِهِ مِنَ السَّلَامَةِ مِنَ الْجِرَاحِ وَقِيلَ:
الْخِطَابُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ: لَعَلَّكُمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ تُخْلِصُونَ لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ، وَإِفْرَادُ النِّعْمَةِ،
(١). هو امرؤ القيس.
(٢). «الفرع» : الشعر التام. «المتن» : ما عن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم. «الفاحم» : الشديد السواد.
«القنو» : العذق وهو الشمراخ. «المتعثكل» : الذي قد دخل بعضه في بعض لكثرته.

صفحة رقم 221

هُنَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَصْدَرُ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ أَيْ: إِنْ تَوَلَّوْا عَنْكَ وَلَمْ يَقْبَلُوا مَا جِئْتَ بِهِ فَقَدْ تَمَهَّدَ «١» عُذْرُكَ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ لِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمُ الْمُبِينُ، أَيِ: الْوَاضِحُ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَصَرَفَ الْخِطَابَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيَةً لَهُ، وَجُمْلَةُ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ تَوَلِّيهِمْ، أَيْ: هُمْ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي عَدَّدَهَا، وَيَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا بِمَا يَقَعُ مِنْ أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَبِأَقْوَالِهِمُ الْبَاطِلَةِ، حَيْثُ يَقُولُونَ هِيَ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنَّهَا بِشَفَاعَةِ الْأَصْنَامِ، وَحَيْثُ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ وَرِثُوا تِلْكَ النِّعَمَ مِنْ آبَائِهِمْ، وَأَيْضًا كَوْنِهِمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فِي مَرْضَاةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَفِي وُجُوهِ الْخَيْرِ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِصَرْفِهَا فِيهَا وَقِيلَ: نِعْمَةُ اللَّهِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ أَيِ: الْجَاحِدُونَ لِنِعَمِ اللَّهِ أَوِ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ، وَعَبَّرَ هُنَا بِالْأَكْثَرِ عَنِ الْكُلِّ، أَوْ أَرَادَ بِالْأَكْثَرِ الْعُقَلَاءَ دُونَ الْأَطْفَالِ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ أَرَادَ كُفْرَ الْجُحُودِ وَلَمْ يَكُنْ كُفْرُ كُلِّهِمْ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ كُفْرَ جَهْلٍ، وَكُفْرُ بَعْضِهِمْ بِسَبَبِ تكذيب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِاللَّهِ وَعَدَمِ الْجَحْدِ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ «٢».
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ سَكَنًا قَالَ: تَسْكُنُونَ فِيهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ قَالَ: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً وَهِيَ خِيَامُ الْعَرَبِ تَسْتَخِفُّونَها يَقُولُ: فِي الْحَمْلِ وَمَتاعاً يَقُولُ بَلَاغًا إِلى حِينٍ قَالَ: إِلَى الْمَوْتِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ قَالَ: بَعْضُ بُيُوتِ السَّيَّارَةِ بُنْيَانُهُ فِي سَاعَةٍ، وَفِي قَوْلِهِ: وَأَوْبارِها قَالَ: الْإِبِلُ وَأَشْعارِها قَالَ الْغَنَمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: أَثاثاً قَالَ: الْأَثَاثُ: الْمَتَاعُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: الْأَثَاثُ: الْمَالُ وَمَتاعاً إِلى حِينٍ يَقُولُ: تَنْتَفِعُونَ بِهِ إِلَى حِينٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا قَالَ: مِنَ الشَّجَرِ وَمِنْ غَيْرِهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً قال: غيران يُسْكَنُ فِيهَا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ قَالَ: مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ مِنَ الْحَدِيدِ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ وَلِذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةُ النِّعَمَ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ قَالَ:
يَعْنِي الثِّيَابَ، وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ قَالَ: يَعْنِي الدُّرُوعَ وَالسِّلَاحَ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ يعني من الجراحات، وكان ابن عباس يقرؤها تسلمون كما قدّمنا، وإسناده ضعيف.

(١). «تمهّد» : قبل.
(٢). النمل: ١٤.

صفحة رقم 222

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية