فإذا قرأت القرآن ، يعني : إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، كيلا يوسوس في القراءة ولا يلقى في الأمنية، فإن شأنه أنه ما أرسل الله من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ١، عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة فليبادر إليها بحيث لا ينفك الإرادة عن الفعل، وحكى عن النخعي وابن سيرين أن يتعوذ بعد القراءة نظرا إلى ظاهر هذه الآية ؛ ولأن الدعاء بعد العبادة أقرب إلى الإجابة والتعوذ من الشيطان مطلوب دائما، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي قبل القراءة، وعليه انعقد الإجماع من السلف والخلف، لكنه سنة عند جمهور العلماء، وذهب عطاء على كونه واجبا قبل القراءة احتجاجا بهذه الآية، فإن حقيقة الأمر للوجوب، وكونه لدفع الوسوسة في القراءة لا يصلح صارفا عنه، بل يصح شرع الوجوب معه، فلا بد من حمله على الوجوب، قال ابن الهمام : والله أعلم بالصارف عن الوجوب على قول الجمهور، قلت : الصارف عنه أنهم رأوا والنبي صلى الله عليه وسلم ترك التعوذ قبل القراءة في بعض الأحيان، ولولا ذلك لما أجمعوا على جواز ترك ما لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم قط، وقد روي في كثير من الأحاديث قراءته صلى الله عليه وسلم من غير ذكر التعوذ. في الصحيحين عن ابن عباس :( أنه صلى الله عليه وسلم قعد الثلث الأخير من الليل فنظر إلى السماء فقال : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب١٩٠ ، العشر الأواخر من آل عمران حتى ختمها، ثم قام فتوضأ، الحديث )٢. وروى مسلم عن أنس قال :( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال : أنزلت علي آنفا سورة فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وأنحر، إن شانئك هو الأبتر )٣ الحديث.
مسألة : اختلفوا في التعوذ قبل القراءة في الصلاة ؟ فقال أبو حنيفة وأحمد يتعوذ في أول ركعة، وقال الشافعي : في كل ركعة، قال الشيخ ابن حجر : استحب التعوذ في كل ركعة الحسن وعطاء وابن سيرين، وقال مالك : لا يتعوذ في المكتوبة، قال البيضاوي : حجة الشافعي : أن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا، فالآية دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة، واحتج مالك بحديث أنس قال :( كنا نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به. )٤ وفي لفظ أخرج في الصحيحين :( كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين )٥، قلنا : هذا الحديث لا ينافي التعوذ سرا. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بعد الثناء في الركعة الأولى، ولم يرو عنه صلى الله عليه وسلم التعوذ في ركعة غير الأولى، وروى ابن ماجه وابن السني عن جبير بن مطعم قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة قال : الله أكبر كبيرا، ثلاثا، والحمد لله كثيرا، ثلاثا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ثلاثا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )٦. وروى أحمد وابن حبان وأبو داود عنه : من نفخه ونفثه وهمزه، وروى الحاكم نحوه، وروى أحمد وأهل السنن والحاكم عن أبي سعيد الخذري قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة بالليل كبر ثم يقول :" سبحانك اللهم بحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول : لا إله إلا الله "، ثلاثا، ثم يقول :" الله أكبر "، ثلاثا، ثم يقول :" أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه )٧. وروى أحمد من حديث أبي أمامة نحوه، وفيه :( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )، وفي إسناده من لم يسم، وروى ابن ماجه وابن خزيمة من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه )، ورواه الحاكم والبيهقي بلفظ :" كان إذا دخل في الصلاة "، وعن أنس ونحوه، رواه الدارقطني، وفيه الحسين بن علي بن الأسود، وفيه مقال، وفي مراسيل أبي داود عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فائدة : قال صاحب الهداية : الأولى أن يقول : أستعيذ بالله ؛ ليوافق القرآن، ويقرب منه أعوذ بالله، قلت : لكن المستعمل عند الحذاق من أهل الأداء والفقهاء في لفظها : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، دون غيره ؛ لما ذكرنا من الأحاديث، وأخرج الثعلبي والواحدي عن ابن مسعود قال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال :( قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرانيه جبرئيل عن القلم عن اللوح المحفوظ ). قال أبو عمرو الداني في التيسير : بهذا اللفظ بعينه قرأت، وبه آخذ، ولا أعلم خلافا بين أهل الأداء في الجهر بها عند افتتاح القرآن، يعني : خارج الصلاة، وعند الابتداء برؤوس الأجزاء وغيرها في مذهب الجماعة، إتباعا بالنص واقتداء بالسنة، وكذلك الرواية عن أبي عمرو، يعني : ابن العلاء، وروي عن حمزة أنه كان يجهر بها في أم القرآن خاصة، ويخفيها بعد ذلك في سائر القرآن، كذا قال خلف عنه، وقال خلاد عنه، أنه كان يخير الجهر والإخفاء جميعا، والباقون لم يأت عنهم في ذلك شيء منصوص.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: رفع البصر إلى السماء (٦٢١٥) وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيانه (٧٦٣)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال: البسملة آية من كل سورة سوى براءة (٤٠٠)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (٣٩٩).
.
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الآذان، باب: ما يقول بعد التكبير (٧٤٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة (٣٩٩)..
٦ أخرجه ابن ماجة في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الاستعاذة في الصلاة (٨٠٧)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك (٧٧٣)..
التفسير المظهري
المظهري