قوله تعالى : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا .
في قوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ وجهان معروفان من التفسير :
الأول أن المراد بالطائر : العمل، من قولهم : طار له سهم إذا خرج له. أي ألزمناه ما طار له من عمله.
الثاني أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة. والقولان متلازمان ؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة.
فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال، وكلها حق، ويشهد له قرآن فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن ؛ لأنها كلها حق، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن.
أما على القول الأول بأم المراد بطائره عمله فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جداً. كقوله تعالى : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [ النساء : ١٢٣ ]، وقوله إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : ١٦ ]، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ [ الانشقاق : ٦ ]، وقوله : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا [ فصلت : ٤٦ ]، والآيات بمثل هذا كثيرة جداً.
وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار في الأزل من الشقاوة أو السعادة – فالآيات الدالة على ذلك أيضا كثيرة، كقوله : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن [ التغابن : ٢ي، وقوله : ولذلك خلقهم [ هود : ١١٩ ] أي للاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم. وقوله : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [ الأعراف : ٣٠ ]، وقوله : فريق في الجنة وفريق في السعير [ الشورى : ٧ ]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : في عُنُقِهِ أي جعلنا عمله أو ما سبق له من شقاوة في عنقه ؛ أي لازماً له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه ؛ ومنه قول العرب : تقلدها طوق الحمامة. وقولهم : الموت في الرقاب. وهذا الأمر ربقة في رقبته. ومنه قول الشاعر :
اذهب بها اذهب بها *** طوقتها طوق الحمامه
فالمعنى في ذلك كله : اللزوم وعدم الانفكاك.
وقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوباً في كتاب يلقاه منشوراً، أي مفتوحاً يقرؤه هو وغيره.
وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشوراً في آيات أخر. فبين أن من صفاته : أن المجرمين مشفقون أي خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضراً ليس منه شيء غائباً، وأن الله جلَّ وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئاً. وذلك في قوله جلَّ وعلا : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [ الكهف : ٤٩ ].
وبين في موضع آخر : أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم.
وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حساباً يسيراً، ويرجع إلى أهله مسروراً، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية. قال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه ِفَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً [ الانشقاق : ٧-٩ ]، وقال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَه ْفَهُوَ في عِيشَةٍ رَّاضِيَة في جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [ الحاقة : ١٩-٢٣ ].
وبين في موضع آخر : أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعاً ؛ وذلك في قوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَآ أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ [ الحاقة : ٢٥-٣٢ ] أعذانا الله وإخواننا المسلمين من النار، ومما قرب إليها من قول وعمل.
وبين في موضع آخر : أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور. وذلك في قوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِه ِفَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورا ًوَيَصْلَى سَعِيراً [ الانشقاق : ١٠-١٢ ]،
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان