ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

طائره : كناية عن عمله أو علامة طالعة من سعد وشؤم.
منشورا : مفتوحا أو معلنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ١٣ اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ١٤ مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ولاَ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ١٥ [ ١٣ ـ ١٥ ]
في الآيات بيان رباني بأن كل إنسان في الآخرة ملزم بعمله وعليه تبعته إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وأن الله تعالى سيخرج له كتاب أعماله مفتوحا ويقول له : اقرأه وحاسب نفسك على ما فيه، والحكم عليها وفاقا له، وأن المهتدي إنما ينفع نفسه باهتدائه وأن الضال إنما يضر نفسه بضلاله، وأنه لا يحمل أحد تبعة عمل أحد ولا مسؤولية، وأن من تمام حكمة الله وعدله ألاّ يعذب أحدا حتى ينذره بلسان رسول من قبله يعرف بواسطته طريق الهدى وطريق الضلال حتى يكون ما يلقاه من عذاب أو ثواب في الآخرة قد استحقه وناله عدلا وحقّا.
والآيات متصلة بما سبقها اتصال سياق وتعقيب على ما هو المتبادر، وفيها قرينة مرجحة للتأويل الذي أولنا الآيات السابقة به.
والمتبادر كذلك أنها بالإضافة إلى حقيقة الحساب والثواب والعقاب الأخروية التي يجب الإيمان بها بسبيل تنبيه السامعين إلى أن كل ما يفعلونه في الدنيا محصي عليهم ومحاسبون عليه، وحملهم على اجتناب الكفر والإثم والإقبال على الإيمان بالله والعمل الصالح.
وفي الآية الأخيرة صراحة قطعية بتقرير قابلية الاختيار للإنسان، وكون ما يلقاه جزاء عمله من نعيم وعذاب هو جزاء على هذا الاختيار، وفيها كذلك تقرير لحكمة إرسال الرسل، حيث يبينون للناس الحدود التي لا يستطيعون معرفتها بعقولهم واجتهادهم.
ولقد شرحنا موضوع كتب أعمال الناس التي سوف تعلن لهم يوم القيامة في سياق تفسير سورة ( ق ) فنكتفي بهذه الإشارة.
تعليق على مدى الآية
{ مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا
ولاَ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }
في كتب التفسير تأويلات وتعليقات حول محتوى هذه الآية :
فأولا : إن بعضهم يفسر كلمة ( رسول ) بالعقل الإنساني ويوجب على الإنسان العاقل بأن يؤمن بالله وحده وباليوم الآخر، ويعمل العمل الصالح سواء أبلغته دعوة ربانية بطريق رسول أم لم تبلغه. ويجعل مصيره الأخروي مماثلا لمصير من بلغته دعوة مثل هذه.
وبقطع النظر عن وجاهة مسؤولية العاقل الراشد عن هداه وضلاله بالذات، فالذي يتبادر لنا أن المقصود بالكلمة هو النبي الذي يرسله الله لدعوة الناس وبيان الحدود التي يجب أن يسيروا في نطاقها مما قد لا يستطيع العقل تبينه وحده وأن في ذلك التفسير تحويلا للكلام لا يتحمله المقصود القرآني. وفي القرآن آيات عديدة مؤيدة لذلك منها آيات سورة الشعراء [ ٢٠٨ و ٢٠٩ ] وآية سورة القصص [ ٥٩ ] وآية سورة طه [ ١٣٤ ] اللتين مرّ تفسيرهما حيث تذكر : أن الله لا يهلك ولا يعذب أمة وقرية إلا بعد أن يرسل إليها رسولا يتلو عليها آياته ويبلغها دعوته.
وثانيا : ويدور جدل حول ما إذا كان ما قررته الآية من قابلية الإنسان للاهتداء والضلال ومسؤوليته عن ذلك وعدم مسؤولية أحد عن عمل غيره متناقضا أو غير متناقض مع آيات أخرى فيها تقرير كون الله خالق كل شيء بما في ذلك أفعال الناس وكون ما يقع منهم إنما يقع بمشيئة الله. وهذا الجدل يدور حول كل عبارة مماثلة مما مرّت أمثلة منه. ولقد شرحنا هذا الأمر في المناسبات السابقة بما رأينا أنه الحق إن شاء الله. وإن كان من شيء نزيده هنا هو أن المتبادر من روح الآية ومقامها : أنها على سبيل الإنذار والتنبيه ؛ ليكون في ذلك رادع وحافز للسامعين، وأن الأولى أن تُتلقى على هذا الاعتبار وتبقى في نطاقه. ومع ذلك فإن من الممكن أن يقال : إن قابلية الإنسان للاهتداء والضلال التي تقررها هذه الآية وأمثالها بصراحة هي من مشيئة الله تعالى المودعة في جبلّته فيزول بذلك وهم التناقض الذي لا يصحّ أن يفرض بين العبارات القرآنية والله أعلم.
وثالثا : وبين علماء الكلام القدماء جدل على هامش هذه الآية وأمثالها حول ما إذا كان يجب على الله تعالى إرسال الرسل لهداية الناس وما إذا كان يجب على الله تعالى جزاؤهم وفق أعمالهم. وما إذا كان يجب على الله تعالى الأصلح لهم.
ومع أن القرآن قرر في مواضع عديدة مرّت أمثلة منها : أن الله عز وجل لم يعذب الناس إلاّ بعد أن يرسل إليهم الرسل والمنذرين ويكفروا برسالاتهم وبالله ويبغوا ويفسدوا. وأن عذاب من يعذبهم وثواب من يثيبهم منهم نتيجة لمواقفهم من دعوة رسله ومنذريه هو حق عليه. وأنه ليس بظلام للعبيد. فإننا نرى واجب المسلمين اليوم أن يكفوا عن مجاراة علماء الكلام القدماء في ما كانوا يقولونه حينما كانوا يتجادلون مع بعضهم. وأن يكتفوا بما قرره القرآن ويقفوا عنده دون مماحكة ومراء وأن يتذكروا أن الله الحكيم العادل يعامل خلقه بمقتضى هاتين الصفتين وكفى.
ورابعا : لقد أثار المفسر ابن كثير في سياق هذه الآية مسألة المصير الأخروي لمن يموتون في طفولتهم والمجانين والصمّ والبكم والذين لم تبلغهم دعوة ربانية بواسطة رسله وكتبه. وقد أورد ابن كثير أحاديث عديدة معزوّة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيها تضارب وغرابة ووصف بعضها بالمرفوع وبعضها بالضعيف. وليس فيها حديث صحيح يمكن الاحتجاج به نفيا وإثباتا في هذه المسألة، ولم نطلع نحن أيضا على مثل هذا الحديث. وما دام في القرآن نصوص صريحة بأن الله لا يعذب إلاّ بعد أن يرسل رسلا ومنذرين ويكفر الناس بهم وأن الله لا يكلف نفسا إلاّ وسعها ويدخل في مدى هذا التكليف الرباني الذي يترتب عليه الثواب والعقاب والذي إنما يكون بالنسبة للراشدين العاقلين الذين تبلغهم رسالات الله بواسطة رسله فإننا نرى الأولى أن يوقف في هذه المسألة عند هذه النصوص من الوجهة الكلامية. ونرى في الوقت نفسه أن في إثارتها في نطاق وسياق الآية تكلفا لا ضرورة له ولا طائل منه، والله تعالى أعلم.
مذهب السلف الصالح
في فهم القرآن وأسباب انفتاح باب الجدل والكلام حوله
ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة ـ ويصح أن يذكر في كل مناسبة مماثلة سابقة ولاحقة ـ أن السلف الإسلامي الأول رضي الله عنه كان يأخذ القرآن بمفهومه المتبادر الذي كان يعيش في جوه، ولا يحمّله غير ما يحمل ولا يحاول التخمين والتزيّد ولا يثير الإشكالات والفروض بسبيلها، وكل ما كان من ذلك قد كان بعد أن اشتدت الفتن والخلافات السياسية ومزجها أهلها بالدين واستغلوا نصوص القرآن وأوّلوها وفق أهوائهم، ثم ترجمت كتب المنطق والفلسفة اليونانية، وولع بها بعض المسلمين وصاروا يطبقونها على النصوص القرآنية واندست بينهم عناصر مريبة، فتفاقم الخطب وانفتح باب الجدل والكلام على مصراعيه، حتى كادوا يقفون عند كل آية ويتجادلون فيها، فأدى ذلك إلى شيء كثير من البلبلة والتشويش في سياق تفسير القرآن وتأويل آياته مما هو مبثوث في كتب علماء الكلام والشيعة وفرقها المتعددة.
وأفضل خطة لنظر القرآن وفهمه هي خطة ذلك السلف الصالح التي نوهنا بها أولا. وتأويل القرآن بالقرآن ثانيا.
والمتدبر في القرآن يرى معجزة باهرة فيه، حيث يجد في مكان ما تفسيرا وتأويلا وحلاّ لعبارة ما في مكان آخر قد تثير في نفسه إشكالا أو وهما، بل وإنه كثيرا ما يجد ذلك في نفس الآية التي فيها العبارة أو في سياقها القريب السابق أو اللاحق. وهذا مصداق قول الله تعالى أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ولَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [ ٨٢ ] النساء.
وقد مرّت أمثلة كثيرة من ذلك في المناسبات السابقة ونبهنا إليها.



وكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ١٣ اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ١٤ مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ولاَ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ١٥ [ ١٣ ـ ١٥ ]
في الآيات بيان رباني بأن كل إنسان في الآخرة ملزم بعمله وعليه تبعته إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وأن الله تعالى سيخرج له كتاب أعماله مفتوحا ويقول له : اقرأه وحاسب نفسك على ما فيه، والحكم عليها وفاقا له، وأن المهتدي إنما ينفع نفسه باهتدائه وأن الضال إنما يضر نفسه بضلاله، وأنه لا يحمل أحد تبعة عمل أحد ولا مسؤولية، وأن من تمام حكمة الله وعدله ألاّ يعذب أحدا حتى ينذره بلسان رسول من قبله يعرف بواسطته طريق الهدى وطريق الضلال حتى يكون ما يلقاه من عذاب أو ثواب في الآخرة قد استحقه وناله عدلا وحقّا.
والآيات متصلة بما سبقها اتصال سياق وتعقيب على ما هو المتبادر، وفيها قرينة مرجحة للتأويل الذي أولنا الآيات السابقة به.
والمتبادر كذلك أنها بالإضافة إلى حقيقة الحساب والثواب والعقاب الأخروية التي يجب الإيمان بها بسبيل تنبيه السامعين إلى أن كل ما يفعلونه في الدنيا محصي عليهم ومحاسبون عليه، وحملهم على اجتناب الكفر والإثم والإقبال على الإيمان بالله والعمل الصالح.
وفي الآية الأخيرة صراحة قطعية بتقرير قابلية الاختيار للإنسان، وكون ما يلقاه جزاء عمله من نعيم وعذاب هو جزاء على هذا الاختيار، وفيها كذلك تقرير لحكمة إرسال الرسل، حيث يبينون للناس الحدود التي لا يستطيعون معرفتها بعقولهم واجتهادهم.
ولقد شرحنا موضوع كتب أعمال الناس التي سوف تعلن لهم يوم القيامة في سياق تفسير سورة ( ق ) فنكتفي بهذه الإشارة.
تعليق على مدى الآية
{ مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا
ولاَ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }
في كتب التفسير تأويلات وتعليقات حول محتوى هذه الآية :
فأولا : إن بعضهم يفسر كلمة ( رسول ) بالعقل الإنساني ويوجب على الإنسان العاقل بأن يؤمن بالله وحده وباليوم الآخر، ويعمل العمل الصالح سواء أبلغته دعوة ربانية بطريق رسول أم لم تبلغه. ويجعل مصيره الأخروي مماثلا لمصير من بلغته دعوة مثل هذه.
وبقطع النظر عن وجاهة مسؤولية العاقل الراشد عن هداه وضلاله بالذات، فالذي يتبادر لنا أن المقصود بالكلمة هو النبي الذي يرسله الله لدعوة الناس وبيان الحدود التي يجب أن يسيروا في نطاقها مما قد لا يستطيع العقل تبينه وحده وأن في ذلك التفسير تحويلا للكلام لا يتحمله المقصود القرآني. وفي القرآن آيات عديدة مؤيدة لذلك منها آيات سورة الشعراء [ ٢٠٨ و ٢٠٩ ] وآية سورة القصص [ ٥٩ ] وآية سورة طه [ ١٣٤ ] اللتين مرّ تفسيرهما حيث تذكر : أن الله لا يهلك ولا يعذب أمة وقرية إلا بعد أن يرسل إليها رسولا يتلو عليها آياته ويبلغها دعوته.
وثانيا : ويدور جدل حول ما إذا كان ما قررته الآية من قابلية الإنسان للاهتداء والضلال ومسؤوليته عن ذلك وعدم مسؤولية أحد عن عمل غيره متناقضا أو غير متناقض مع آيات أخرى فيها تقرير كون الله خالق كل شيء بما في ذلك أفعال الناس وكون ما يقع منهم إنما يقع بمشيئة الله. وهذا الجدل يدور حول كل عبارة مماثلة مما مرّت أمثلة منه. ولقد شرحنا هذا الأمر في المناسبات السابقة بما رأينا أنه الحق إن شاء الله. وإن كان من شيء نزيده هنا هو أن المتبادر من روح الآية ومقامها : أنها على سبيل الإنذار والتنبيه ؛ ليكون في ذلك رادع وحافز للسامعين، وأن الأولى أن تُتلقى على هذا الاعتبار وتبقى في نطاقه. ومع ذلك فإن من الممكن أن يقال : إن قابلية الإنسان للاهتداء والضلال التي تقررها هذه الآية وأمثالها بصراحة هي من مشيئة الله تعالى المودعة في جبلّته فيزول بذلك وهم التناقض الذي لا يصحّ أن يفرض بين العبارات القرآنية والله أعلم.
وثالثا : وبين علماء الكلام القدماء جدل على هامش هذه الآية وأمثالها حول ما إذا كان يجب على الله تعالى إرسال الرسل لهداية الناس وما إذا كان يجب على الله تعالى جزاؤهم وفق أعمالهم. وما إذا كان يجب على الله تعالى الأصلح لهم.
ومع أن القرآن قرر في مواضع عديدة مرّت أمثلة منها : أن الله عز وجل لم يعذب الناس إلاّ بعد أن يرسل إليهم الرسل والمنذرين ويكفروا برسالاتهم وبالله ويبغوا ويفسدوا. وأن عذاب من يعذبهم وثواب من يثيبهم منهم نتيجة لمواقفهم من دعوة رسله ومنذريه هو حق عليه. وأنه ليس بظلام للعبيد. فإننا نرى واجب المسلمين اليوم أن يكفوا عن مجاراة علماء الكلام القدماء في ما كانوا يقولونه حينما كانوا يتجادلون مع بعضهم. وأن يكتفوا بما قرره القرآن ويقفوا عنده دون مماحكة ومراء وأن يتذكروا أن الله الحكيم العادل يعامل خلقه بمقتضى هاتين الصفتين وكفى.
ورابعا : لقد أثار المفسر ابن كثير في سياق هذه الآية مسألة المصير الأخروي لمن يموتون في طفولتهم والمجانين والصمّ والبكم والذين لم تبلغهم دعوة ربانية بواسطة رسله وكتبه. وقد أورد ابن كثير أحاديث عديدة معزوّة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيها تضارب وغرابة ووصف بعضها بالمرفوع وبعضها بالضعيف. وليس فيها حديث صحيح يمكن الاحتجاج به نفيا وإثباتا في هذه المسألة، ولم نطلع نحن أيضا على مثل هذا الحديث. وما دام في القرآن نصوص صريحة بأن الله لا يعذب إلاّ بعد أن يرسل رسلا ومنذرين ويكفر الناس بهم وأن الله لا يكلف نفسا إلاّ وسعها ويدخل في مدى هذا التكليف الرباني الذي يترتب عليه الثواب والعقاب والذي إنما يكون بالنسبة للراشدين العاقلين الذين تبلغهم رسالات الله بواسطة رسله فإننا نرى الأولى أن يوقف في هذه المسألة عند هذه النصوص من الوجهة الكلامية. ونرى في الوقت نفسه أن في إثارتها في نطاق وسياق الآية تكلفا لا ضرورة له ولا طائل منه، والله تعالى أعلم.
مذهب السلف الصالح
في فهم القرآن وأسباب انفتاح باب الجدل والكلام حوله
ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة ـ ويصح أن يذكر في كل مناسبة مماثلة سابقة ولاحقة ـ أن السلف الإسلامي الأول رضي الله عنه كان يأخذ القرآن بمفهومه المتبادر الذي كان يعيش في جوه، ولا يحمّله غير ما يحمل ولا يحاول التخمين والتزيّد ولا يثير الإشكالات والفروض بسبيلها، وكل ما كان من ذلك قد كان بعد أن اشتدت الفتن والخلافات السياسية ومزجها أهلها بالدين واستغلوا نصوص القرآن وأوّلوها وفق أهوائهم، ثم ترجمت كتب المنطق والفلسفة اليونانية، وولع بها بعض المسلمين وصاروا يطبقونها على النصوص القرآنية واندست بينهم عناصر مريبة، فتفاقم الخطب وانفتح باب الجدل والكلام على مصراعيه، حتى كادوا يقفون عند كل آية ويتجادلون فيها، فأدى ذلك إلى شيء كثير من البلبلة والتشويش في سياق تفسير القرآن وتأويل آياته مما هو مبثوث في كتب علماء الكلام والشيعة وفرقها المتعددة.
وأفضل خطة لنظر القرآن وفهمه هي خطة ذلك السلف الصالح التي نوهنا بها أولا. وتأويل القرآن بالقرآن ثانيا.
والمتدبر في القرآن يرى معجزة باهرة فيه، حيث يجد في مكان ما تفسيرا وتأويلا وحلاّ لعبارة ما في مكان آخر قد تثير في نفسه إشكالا أو وهما، بل وإنه كثيرا ما يجد ذلك في نفس الآية التي فيها العبارة أو في سياقها القريب السابق أو اللاحق. وهذا مصداق قول الله تعالى أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ولَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [ ٨٢ ] النساء.
وقد مرّت أمثلة كثيرة من ذلك في المناسبات السابقة ونبهنا إليها.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير