مِنْهُمْ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا: وَهُوَ يُشْبِهُ مَا رَسَمَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ، وَمَا أَوْرَدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. وَلَيْسَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْءٌ مَنْصُوصٌ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً فِي الْمَشِيئَةِ (١) انْتَهَى كَلَامُهُ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ" (٢) نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دُعِيَ النَّبِيُّ (٣) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَقَالَ: "أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبائهم". رواه أحمد مسلم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (٤).
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلَائِلَ صَحِيحَةٍ جَيِّدَةٍ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ عَنِ الشَّارِعِ، كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْكَلَامَ فِيهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديق، ومحمد بن الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ العُطَاردي، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَاتِيًا -أَوْ مُقَارِبًا-مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الوِلْدان والقَدَر".
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَعْنِي أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، بِهِ (٥). ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: أَمَرْنَا فَالْمَشْهُورُ قِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ، وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهَا، فَقِيلَ: مَعْنَاهَا أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا أَمْرًا قَدَرِيًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا [يُونُسَ: ٢٤]، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، قَالُوا: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ سَخَّرَهُمْ إِلَى فِعْلِ الْفَوَاحِشِ فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَاتِ فَفَعَلُوا الْفَوَاحِشَ فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ. رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ (٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيضًا.
(٢) التذكرة: (ص٥١١-٥١٧)
(٣) في ف، أ: "رسول الله".
(٤) المسند (٦/٤١) وصحيح مسلم برقم (٢٦٦٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧١٣) وسنن النسائي (٤/٥٧) وسنن ابن ماجة برقم (٨٢).
(٥) صحيح ابن حبان برقم (١٨٢٤) "موارد"، ومسند البزار برقم (٢١٨٠) "كشف الأستار".
(٦) في أ: "ابن جرير".
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة