ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

تفسير المفردات : والمترفون : هم المنعمون من الملوك والعظماء. أمرنا مترفيها : أي أمرناهم بالطاعة. ففسقوا : أي خرجوا عن الطاعة وتمردوا. فحق عليها القول : أي وجب لها العذاب. والتدمير : الإهلاك مع طمس الأثر.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه فيما سلف حال كتابه الذي يحوي النافع والضار من الأعمال، مما يكون به سعادة الإنسان وشقاؤه في دينه ودنياه – قفى على ذلك بذكر حال كتاب المرء وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله إلا أحصاها، وأن حسنها وقبحها تابع لأخذه بما في الكتاب الأول أو تركه لذلك، فمن أخذ به اهتدى ومنفعة ذلك عائدة إليه، ومن أعرض عنه ضل وغوى، ووبال ذلك راجع عليه، ثم أكد عنايته بعباده، وأنه لا يعاقب أحدا منهم إلا إذا أرسل الرسل يبلغون رسالات ربهم رحمة بهم ورأفة، وأعقب ذلك بأن عذابه إنما يكون بكسب المرء واختياره، وأن هذا واقع بتقدير الله وعلمه، وإذا وقعت المعصية حلت العقوبة بعذاب الاستئصال، كما فعل بكثير من الأمم التي من بعد نوح كعاد وثمود، والله عليم بأفعالهم وبما يستحقون، ثم قسم العباد قسمين قسم يحب الحياة الدنيا ويعمل لها، وعاقبته دار البوار وبئس القرار، وقسم يعمل للآخرة ويسعى لها سعيها وهو مؤمن، وأولئك سعيهم مشكور مقبول عند ربهم، ولهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وهؤلاء وهؤلاء يمدهم ربهم بعطائه، إذ ليس عطاؤه بممنوع عن أحد، ولكن قد فضل بعضهم على بعض في أرزاق الدنيا، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من درجات التفاوت في الدنيا وأبعد مدى.
الإيضاح : ثم بين كيف يقع العذاب بعد بعثة الرسل فقال :
وإذا أردنا أن نهلك قرية أرمنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا أي إذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك أي قرية بعذاب الاستئصال لما ظهر منها من المعاصي ودنست به أنفسها من الآثام – لم نعاجلها بالعقوبة، بل نأمر مترفيها بالطاعة فإذا فسقوا عن أمرنا وتمردوا حق عليهم العذاب جزاء وفاقا لاجتراحهم السيئات وارتكابهم كبائر الإثم والفواحش، فدمرنا تلك القرية تدميرا ولم نبق منها ديّارا ولا نافخ نار.
وخص المترفين بالذكر لما جرت به العادة أن من سواهم يكون تبعا لهم، وأن العامة والدهماء يقلدونهم فيما يفعلون، ولأنهم أسرع إلى الفجور وأقدر على الصول إلى سبله.
وقد يكون المراد من الأمر – أن الله يفيض عليهم نعمه التي تبطرهم وتجعلهم يقعون في المعاصي، فكأنه تعالى يأمرهم بها، إذ مهد لهم الأسباب الموصلة إليها.
وحكى بعض أئمة اللغة أن المراد ( بأمرنا ) أكثرنا واستدل بما أخرجه أحمد والطبراني من قوله صلى الله عليه وسلم :" خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة " أي مهرة نسلها وطريق مصطفة من النخل مأبورة ( كثر فيها اللقاح ) لتثمر الثمر الجني.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير