الاخرة يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يلأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [ تعالى] عليه الدلالات والعلامات.
قال تعالى: وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا.
قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف.
ومعناها: عند أبن عبس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها.
وقيل: " المترفون " هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر إذا أمر عصما فيحق عليه القول بعصيانه.
وعن قتادة: أن معنى " أمرنا " أكثرنا.
وقال الكسائي: يجوز أن يكون " أمرنا " من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون / بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد " أمرنا " مقصوراً، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة
المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر.
فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف.
ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره.
فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، وغلإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف: ٧١] أي: عظيماً.
وقوله: فَفَسَقُواْ فِيهَا.
أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] فَحَقَّ عَلَيْهَا القول أي: وجب عليها
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي