ثم استأنف تعالى بيان عظمة هذا التنزيه مقروناً بالوصف بالكمال فقال : تسبح أي : توقع التنزيه الأعظم له أي : الإله الأعظم الذي تقدّم وصفه بالجلال والإكرام خاصة السماوات السبع والأرض أي : السبع ومن فيهنّ أي : من ذوي العقول وإن أي : وما وأغرق في النفي فقال : من شيء أي : ذي عقل أو غيره إلا يسبح بحمده أي : يقول سبحان الله العظيم وبحمده، أو يقول سبحان الله وبحمده. وقال ابن عباس : وإنّ من شيء حيّ إلا يسبح بحمده. وقال قتادة : يعني الحيوانات والناميات. وقال عكرمة : الشجرة تسبح والإسطوانة تسبح وعن المقداد بن عدي : التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح والورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح والماء يسبح ما دام جارياً فإذا ركد ترك التسبيح والثوب يسبح ما دام جديداً فإذا وسخ ترك التسبيح. وقال السيوطي : في جواب سؤال عن ذلك :
| قد خصصت آية الأسرى بمتصف | وصف الحياة كرطب الزرع والشجر |
| فيابس مات لا تسبيح منه كذا | وما زال عن موضع كالقطع للحجر |
وقال بعض أهل المعاني : تسبيح السماوات والأرض والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان الحال حيث تدلّ على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك ويصير لها بمنزلة التسبيح. قال البغوي : والأول أصح وهو المنقول عن السلف. وقال ابن الخازن : القول الأول أصح لما دلت عليه الأحاديث وأنه منقول عن السلف. قال البغوي : واعلم أنّ لله تعالى علماً في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه ولكن لا تفقهون أي : لا تفهمون تسبيحهم أي : لأنه ليس بلغتكم إنه كان حليماً غفوراً .
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني