قوله عز وجل تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن يعني الملائكة والإنس والجن وإن من شيء إلا يسبح بحمده قال ابن عباس : وإن من شيء حي إلا يسبح. وقيل : جميع الحيوانات والنباتات. قيل : إن الشجرة تسبح والاسطوانة لا تسبح. وقيل : إن التراب يسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها، فإذا رفعت تركت التسبيح. وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة، فإذا سقطت تركت التسبيح، وإن الماء يسبح ما دام جارياً فإذا ركد ترك التسبيح وإن الثوب يسبح ما دام جديداً فإذا اتسخ ترك التسبيح وإن الوحش والطير لتسبح إذا صاحت، فإذا سكتت تركت التسبيح وإن من شيء جماد أو حيّ إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف وقيل : كل الأشياء تسبح الله حيواناً كان أو جماداً وتسبيحها : سبحان الله وبحمده، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود قال : كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال :« اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه قليل، فأدخل يده صلى الله عليه وسلم في الإناء ثم قال : حي على الطهور المبارك، والبركة من الله » فقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. أخرجه البخاري ( م ) عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن بمكة حجراً كان يسلم علي ليالي بعثت وإني لأعرفه الآن » ( خ ) عن ابن عمر قال :« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح بيده عليه » وفي رواية « فنزل فاحتضنه وسارَّه بشيء » ففي هذه الأحاديث دليل على أن الجماد يتكلم وأنه يسبح، وقال بعض أهل المعاني : تسبيح السموات والأرض، والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان الحال، بحيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك، ويصير لها بمنزلة التسبيح والقول الأولاد أصح كما دلت عليه الأحاديث، وأنه منقول عن السلف. واعلم أن لله تعالى علماً في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن نكل علمه إليه. وقوله تعالى ولكن لا تفقهون تسبيحهم أي لا تعلمون ولا تفهمون تسبيحهم، ما عدا من يسبح بلغتكم ولسانكم إنه كان حليماً غفوراً أي حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وجهلكم بالتسبيح.
لباب التأويل في معاني التنزيل
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي