ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

التسبيح : هو حيثية الإيمان بالله ؛ لأنك لا تؤمن بشيء في شيء إلا أن تثق أن من آمنت به فوقك في ذلك الشيء، فأنت لا توكل أحد بعمل إلا إذا أيقنت أنه أقدر منك وأحكم وأعلم.
فإذا كنت قد آمنت بإله واحد، فحيثية ذلك الإيمان أن هذا الإله الواحد فوق كل المألوهين جميعاً، وليس لأحد شبه به، وإن اشترك معه في مطلق الصفات، فالله غني وأنت غني، لكن غنى الله ذاتي وغناك موهوب، يمكن أن يسلب منك في أي وقت.
وكذلك في صفة الوجود، فالله تعالى موجود وأنت موجود، لكن وجوده تعالى لا عن عدم، بل هو وجود ذاتي ووجودك موهوب سينتهي في أي وقت.
إذن : فتسبيح الله هو حيثية الإيمان به كإله، وإلا لو أشبهناه في شيء أو أشبهنا في شيء ما استحق أن يكون إلهاً.
والتسبيح : هو التنزيه، وهذا ثابت لله تعالى قبل أن يوجد من خلقه من ينزهه، والحق سبحانه منزه بذاته والصفة كائنة له قبل أن يخلق الخلق ؛ لأنه خالق قبل أن يخلق، كما نقول : فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة ؟ أم شاعر بذاته قبل أن يقول شعراً ؟
الواقع أن الشعر موهبة، وملكة عنده، ولولاها ما قال شعراً، إذن : هو شاعر قبل أن يقول. كذلك فصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أن يوجد الخلق.
لذلك فإن المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة ( سبح )يجدها بلفظ ( سبحان )في أول الإسراء :
سبحان الذي أسرى.. " ١ " ( سورة الإسراء ) : ومعناها أن التنزيه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه. ثم بلفظ : سبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. " ١ " ( سورة الحديد ) : بصيغة الماضي، والتسبيح لا يكون من الإنسان فقط، بل من السماوات والأرض، وهي خلق سابق للإنسان. ثم يأتي بلفظ : يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. " ١ " ( سورة الجمعة ) : بصيغة المضارع ؛ ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي، بل ومستمر في المستقبل لا ينقطع. إذن : مادام التسبيح والتنزيه ثابتاً لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه، وثابتاً لله من جميع مخلوقاته في السماوات والأرض، فلا تكن أيها الإنسان نشازاً في منظومة الكون، ولا تخرج عن هذا النشيد الكوني : سبح اسم ربك الأعلى " ١ " ( سورة الأعلى ).
وقوله تعالى : وإن من شيءٍ.. " ٤٤ " ( سورة الإسراء ) : أي : ما من شيء، كل ما يقال له شيء. والشيء هو جنس الأجناس، فالمعنى أن كل ما في الوجود يسبح بحمده تعالى.
وقد وقف العلماء أمام هذه الآية، وقالوا : أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين، وهندسة البناء، وحكمة الخلق، وهذا يلفتنا إلى أن الله تعالى منزه ومتعالٍ وقادر، ولكنهم فهموا التسبيح على أنه تسبيح دلالة فقط ؛ لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه. وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله : ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. " ٤٤ " ( سورة الإسراء ) : إذن : يوجد تسبيح دلالة فعلاً، لكنه ليس هو المقصود، المقصود هنا التسبيح الحقيقي كل بلغته. فقوله تعالى : ولكن لاتفقهون تسبيحهم.. " ٤٤ " ( سورة الإسراء ) : يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الذين آمن بمقتضاه المؤمنون، إنه تسبيح حقيقي ذاتي ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس، وإذا كنا لا نفقه هذا التسبيح، فقد قال تعالى : كل قد علم صلاته وتسبيحه.. " ٤١ " ( سورة النور ) : إذن : كل شيء في الوجود علم كيف يصلي لله، وكيف يسبح لله، وفي القرآن آيات تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عالم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته، وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لغته، فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا نفهمها ؟
وهاهم الناس أنفسهم ولهم في الأداء القولي لغة يتفاهمون بها، ومع ذلك تختلف بينهم اللغات، ولا يفهم بعضهم بعضاً، فإذا ما تكلم الإنجليزي مع أنه يتكلم بألفاظ العربي ومع ذلك لا يفهمه ؛ لأنه ما تعلم هذه اللغة.
واللغة ظاهرة اجتماعية، بمعنى أن الإنسان يحتاج للغة ؛ لأنه في مجتمع يريد أن يتفاهم معه ليعطيه ما عنده من أفكار، ويسمع ما عنده من أفكار فلابد من اللغة لنقل هذه الأفكار، ولو أن الإنسان وحده ما كان في حاجة إلى لغة ؛ لأنه سيفعل ما يخطر بباله وتنتهي المسألة.
واللغة لا ترتبط بالدم أو الجنس أو البيئة ؛ لأنك لو أتيت بطفل إنجليزي مثلاً، ووضعته في بيئة عربية سيتكلم العربية ؛ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية تعتمد على السمع والمحاكاة ؛ لذلك إذا لم تسمع الأذن لا
تستطيع أن تتكلم، ومن ذلك قوله تعالى : صم بكم عمي.. " ١٨ " ( سورة البقرة ) : فهم بكم لا يتكلمون ؛ لأنهم صم لم يسمعوا شيئاً، فإذا لم يسمع الإنسان اللفظ لا يستطيع أن يتحدث به ؛ لأن ما تسمعه الأذن يحكيه اللسان.
إذن : بالسماع انتقلت اللغة، وكل سمع من أبيه، ومن البيئة التي يعيش فيها، فإذا ما سلسلت هذه المسألة ستصل إلى آدم عليه السلام وهنا يأتي السؤال : وممن سمع آدم اللغة التي تكلم بها ؟
وقد حل لنا القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها.. " ٣١ " ( سورة البقرة ) : وأكثر من ذلك، فقد يتكلم العربي بنفس لغتك ولا تفهم عنه ما يقول، واللغة هي اللغة، كما حدث مع أبي علقمة النحوي، وكان يتقعر في كلامه ويأتي بألفاظ شاذة غير مشتهرة، وقد أتعب بذلك من حوله، وخاصة غلامه الذي ضاق به ذرعاً لكثرة ما سمع منه من هذا التقعر.
ويروي أنه في ذات ليلة قال أبو علقمة لغلامه :( أصقعت العتاريف ) ؟ فرد عليه الغلام قائلاً :( زقفيلم ). وكانت المرة الأولى التي يستفهم فيها أبو علقمة عن كلمة، فقال : يا بني وما ( زقفيلم ) ؟ قال : وما ( صقعت العتاريف ) ؟ قال : أردت : أصاحت الديكة ؟ فقال الغلام : وأنا أردت لم تصح.
إذن : فكيف نستبعد أننا لا نعلم لغة المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد ؟ ألم يكفنا ما أخبرنا الله به من وجود لغة لجميع المخلوقات، وإن كنا لا نفهمها ؛ لأننا نعتقد أن اللغة هي النطق باللسان فقط، ولكن اللغة أوسع من ذلك. فهناك مثلاً لغة الإشارة، ولغة النظرات، ولغة التلغراف.
إذن : اللغة ليست اللسان فقط، بل هي استعداد لاصطلاح يفهم ويتعارف عليه، فالخادم مثلاً يكفي أن ينظر إليه سيده نظرة يفهم منها ما يريد، فهذه النظرة لون من ألوان الأداء. والآن بدأنا نسمع عن قواميس يسجل بها لغات بعض الحيوانات لمعرفة ما تقول.
وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى إشارات تدل على أن لكل عالم لغة يتفاهم بها، كما في قوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال يسبحن.. " ٧٩ " ( سورة الأنبياء ) : فالجبال تسبح مع داود، وتسبح مع غيره، ولكن المراد هنا أنها تسبح معه ويوافق تسبيحها تسبيحه، وكأنهما في أنشودة جماعية منسجمة. إذن : فلابد أن داود عليه السلام قد فهم عنها وفهمت عنه.
وكذلك النملة التي تكلمت أمام سليمان عليه السلام ففهم كلامها، وتبسم ضاحكاً من قولها. وقد علمه الله منطق الطير. إذن : لكل جنس من الأجناس منطق يسبح الله به، ولكن لا نفقه هذا التسبيح ؛ لأنه تسبيح بلغة مؤدية معبرة يتفاهم بها من عرف التواضع عليها.
وقد جعل الحق سبحانه وتعالى تنزيهه مطلقاً ينقاد له الجميع، حتى الكافر ينقاد لتنزيه الله قهراً عنه، مع أن لديه ملكة الاختيار بين الكفر أو الإيمان، لكن أراد الحق سبحانه أن يكون تنزيهه مطلقاً من الجماد والنبات والحيوان، ومن المؤمن والكافر. كيف ذلك ؟
أطلق الحق سبحانه على ذاته لفظ الجلالة ( الله )فهو علم على واجب الوجود، ثم تحدى الكافرين أن يسموا أحداً بهذا الاسم، فقال : هل تعلم له سمياً " ٦٥ " ( سورة مريم ) : ومع ما عندهم من إلف
بالمخالفة وعناد بالإلحاد، مع ذلك لم يجرؤ أحد منهم أن يسمي ابناً له بهذا الاسم، ومعلوم أن التسمية أمر اختياري يطرأ على الجميع.
إذن : فهذا تنزيه لله تعالى، حتى من الكافر رغماً عنه، وهو دليل على عظمته سبحانه وجلاله، هذه العظمة وهذا الجلال الذي لم يجرؤ حتى الكافر على التشبه به ؛ ذلك لأنهم في كفرهم غير مقتنعين بالكفر، ويخافون بطش الله وانتقامه إن أقدموا على هذا العمل، لذلك لا يجرؤ أحد منهم أن يجرب في نفسه مثل هذه التسمية.
وفي مجال العبادات، فقد اختار الحق سبحانه لنفسه عبادة لا يشاركه فيها أحد، ولا يقدمها أحد لغيره تعالى ؛ لأن الناس كثيرا ما يتقربون لأمثالهم من البشر بأعمال أشبه ما تكون بعبادة الله تعالى، فمنهم من ينحني خضوعاً لغيره ؛ كأنه راكع أو ساجد، ومنهم من يمدح جباراً بأنه لا مثيل له، وتصل به المبالغة إلى جعله إلهاً في الأرض، ومنهم من يسجد للشمس كما فعل أهل سبأ وأخبر الهدهد عنهم بقوله : وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.. " ٢٤ " ( سورة النمل ) : ألسنا نرى إنساناً يتقرب لأحد الحكام، بأن ينفق فيما يحبه هذا الحاكم، وكأنه يخرج زكاة ماله ؟ ألسنا نرى أحدهم يذهب كل يوم إلى قصر سيده، ويوقع في سجل التشريفات باسمه ليقدم بذلك فروض الولاء والطاعة ؟
إذن : فالإيمان بالوحدانية في شيء متميز وارد عند الناس، والخضوع الزائد بالسجود أو بالركوع أو بالكلام وارد عند الناس.
لذلك تفرد الحق سبحانه بفريضة الصوم، وجعلها خالصة له سبحانه، لا يتقرب بها أحد لأحد، وهل رأيت إنساناً يتقرب لآخر بصوم ؟ فانظر إلى هذه السبحانية وهذا التنزيه في ذاته سبحانه، فلا يجرؤ أحد أن يتسمى باسمه.
وفي العبادة لا يصام لأحد غيره تعالى، فلو تصورنا أن يقول واحد للآخر : أنا سأتقرب إليك بصوم هذا اليوم أو هذا الشهر، إذن : أنت تريد منه أن يجلس بجوارك يحرسك ويراعي صومك، فكأنك تريد له العنت والمشقة من حيث تريد أنت أن تتقرب إليه.
لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ". يعني من الممكن أن يتقرب بأي ركن من أركان الإسلام لغيري، إلا الصوم، فلا يجرؤ أحد أن يتطوع به أو يتقرب به لأحد.
إذن : فالسبحانية هي الدليل السائد الشامل الجامع لكل الخلق ؛ لذلك نقول للكافر : أيها الكافر لقد تأبيت على الإيمان بالله، وللعاصي : لقد تأبيت على أوامر الله، ومادمتم قد تأبيتم على الله، وألفتم هذا التأبي وهذا التمرد، فلماذا لا تتأبون على المرض إن أصابكم، وعلى الموت إن طرق بابكم ؟
لماذا لا تتمرد على ملك الموت وتقول له : لن أموت اليوم ؟ ! إنها قاهرية الحق سبحانه وتعالى حتى على الكافر، فلا يستطيع أحد أن يخرج عليها أو يتمرد.
وكذلك العاصي حينما ينحرف عن الجادة، وتمتد يده إلى مال غيره بالسرقة أو الاختلاس أو التعدي على المال العام، فإن الحق سبحانه يفتح عليه أبواباً للإنفاق تبتلع ما جمع من الحرام، وربما أخذت في طريقها الحلال أيضاً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : " من جمع مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر " >، فالتسبيح إذن لغة الكون كله، منه ما نفهمه، ومنه ما لا نفهمه، إلا من أطلعه الله عليه، فإذا من الله على أحد وعلمه لغة الطير أو الحيوان أو النبات أو الجماد، فهمها وفقه عنها، كما أنعم بهذه النعم على داود وسليمان عليهما السلام.
ويقول سليمان عليه السلام شاكراً هذه النعمة : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.. " ١٩ " ( سورة النمل ).
فقول الحق سبح

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير