ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

٨٠٠- قال صاحب القبس : " تقول العرب : رأيت رؤية : إذا عاينت ببصرك. ورأيت رأيا : إذا اعتقدت بقلبك. ورأيت رؤيا- بالقصر- إذا عاينت في منامك. وقد تستعمل في اليقظة " ١. قلت : قال الله سبحانه وتعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس . والجمهور على أنها في اليقظة٢. ( الفروق : ٤/٢٤١ ).
٨٠١- المراد هاهنا بالرؤيا رؤية الإسراء. واختلف العلماء فيها، فقيل : هي رؤيا عين ويقظة وعليه الجمهور. وقالت عائشة رضي الله عنها : " هي رؤيا منام " ٣.
وظاهر الآية يعضد الجمهور٤، لأنها وصفت بأنها فتنة، والمنام لا فتنة فيه، فلو قال الرسول عليه السلام : " رأيت في المنام أني صعدت إلى السماء " لما صعب ذلك على نفوس الناس، فإن لا أحد يتوقع له مثل ذلك في منامه. وإنما يصح وصفها بالفتنة إلا إذا كانت رؤيا يقظة.
والفتنة هاهنا : الاختيار، من قولك : " فتنت الذهب في النار " : إذا اختبرته.
والأخبار بالإسراء وقع به اختبار ثابت بالإيمان من ضعيف الإيمان، وتبين به ما في النفوس، فمن مصدق ومن مستبعد٥ فهلك من هلك عن بينة، وحيي من حيي عن بينة، فهذا هو الفتنة.
فإن قلت : إن الله تعالى جعل هذه الرؤيا التي هي الإسراء لأجل أمور، أحدها : الافتتان، ومع ذلك تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم بأنواع المواهب لا يحصى عددها، وفرض الصلاة، وغير ذلك من الأسباب، فكيف يصح الحصر في أنها لم تجعل إلا لهذا الغرض ؟ بل إذا قيس هذا بالنسبة إلى ما تقدم من المقاصد كان أضعف وأقل منها، فكيف يقع الحصر فيه ؟
قلت : هذا حصر بحسب بعض الاعتبارات، أي باعتبار الملتبس أمرهم من الناس، فيتبين حالهم، أي أثر الجعل في هذه الطائفة : اختبارهم، وإن كان الجعل أمور عظيمة لكن ليست هي باعتبار هذه الطائفة فالحصر في الآية مقيد لا مطلق. ( الاستغناء : ٥٠٥ ).

١ - القبس: ٣/١١٣٥ بتصرف طفيف..
٢ - انظر مختلف روايات حادثة الإسراء بطولها في تفسير ابن كثير: ٣/٦ إلى ٤٠. وهي روايات منقولة عن صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والنسائي والبيهقي ومسند أحمد بن حنبل، وغيرها من كتب الحديث..
٣ - قال ابن كثير: "حدثني بعض آل أبي بكر عن عائشة كانت تقول: "ما فقد جسد رسول الله عليه السلام ولكن أسري بروحه". قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها" تفسير القرآن العظيم: ٣/٤٠..
٤ - يقول ابن حجر: "إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه عليه السلام وإلى هذا ذهب جمهور من علماء الحديث والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك؛ إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل" ن: فتح الباري على صحيح البخاري: ٧/١٣٦-١٣٧.
ويقول الإمام النووي: "والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده عليه السلام" النووي على شرح مسلم: ٢/٣٩٠..

٥ - روى البيهقي بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما أسري برسول عليه السلام إلى المسجد الأقصى، أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك؟ (فقاموا يشككونه في صدق إسراء الرسول) عليه السلام ثم قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك: أصدقه في خبر السماء". ن-تفسير ابن كثير: ٣/٣٧.
وعن ابن عباس قال: "أسري بالنبي عليه السلام إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره إلى بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن نصدق محمدا بما يقول. فارتدوا كفارا". خرجه أحمد في مسنده، ح: ٤٥٤٦..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير