تفسير المفردات : أحاط بالناس : أي أحاطت بهم قدرته فلا يستطيعون إيصال الأذى إليك إلا بإذننا. والرؤيا : هي ما عاينه صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به من العجائب. والشجرة : هي شجرة الزقوم. والطغيان : تجاوز الحد في الفجور والضلال.
المعنى الجملي : هذه الآيات عود على بدء في تسفيه آراء المشركين الذين كانوا يعبدون الملائكة والجن والمسيح وعزيرا، إذ رد عليهم بأن من تدعونهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويخافون عذابه، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فادعوني وحدي، لأني أنا المالك لنفعكم وضرهم دونهم، ثم بين أن قرى الكافرين صائرة إما إلى الفناء والهلاك بعذاب الاستئصال، وإما بعذاب دون ذلك من قتل كبرائها وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية ؛ ثم أردف ذلك ببيان أنه ما منعه من إرسال الآيات التي طلب مثلها الأولون كقولهم : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا الخ إلا أنه لو جاء بها ولم يؤمنوا لأصابهم عذاب الاستئصال كما أصاب من قبلهم، أو لم ينظروا إلى ما أصاب ثمود حين كذبوا بآيات ربهم وعقروا الناقة، ثم قفى على ذلك بأن الله حافظه من قومه، وأنه سينصره ويؤيده، ثم أتبع ذلك بأن الإسراء كان فتنة للناس وامتحانا لإيمانهم، كما كان ذكر شجرة الزقوم في قوله : إن شجرة الزقوم ٤٣ طعام الأثيم [ الدخان : ٤٣ ـ ٤٤ ] ثم تلا هذا بذكر تماديهم في العناد، وأنه خوّفهم وأنذرهم ازدادوا تماديا وطغيانا، فلو أنزل عليهم الآيات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها، ومن ثم أجلّ عذابهم إلى يوم الوقت المعلوم.
الإيضاح : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس أي واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك هو القادر على عباده، وهم في قبضته، وتحت قهره وغلبته، فلا يقدرون على أمر إلا بقضائه وقدره، وقد عصمك من أعدائك، فلا يقدرون على إيصال الأذى إليك كما قال : والله يعصمك من الناس [ المائدة : ٦٧ ].
وخلاصة ذلك : إن الله ناصرك ومؤيدك حتى تبلغ رسالته، وتظهر دينه.
قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه، ويؤيد هذا قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا لثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [ الأنفال : ٣٠ ].
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس أي وما وجعلنا الرؤيا التي أريتها ليلة الإسراء إلا امتحانا واختبارا للناس، فأنكرها قوم وكذبوا بها، وكفر كثير ممن كان قد آمن به، وازداد المخلصون إيمانا.
روى البخاري في التفسير عن ابن عباس إنها رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وهو قول سعيد بن جبير ومسروق وقتادة، والعرب تقول رأيته بعيني رؤية ورؤيا.
والشجرة الملعونة في القرآن أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فإنهم حين سمعوا : إن شجرة الزقوم ٤٣ طعام الأثيم [ الدخان : ٤٣ -٤٤ ] اختلفوا، فقوم ازدادوا إيمانا، وقوم ازدادوا كفرا كأبي جهل إذ قال : إن ابن أبي كبشة ( يعني النبي صلى الله عليه وسلم ) توعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبث شجرة وتعلمون أن النار تحرق الشجر، وقال عبد الله بن الزّبعرى : إن محمدا يخوّفنا بالزقوم، وما الزقوم إلا التمر والزبد، فتمزقوا منه، وجعل يأكل من هذا بهذا.
وقد فات هؤلاء أن في الدنيا أشياء كثيرة لا تحرقها النار، فهناك نوع من الحرير يسمى بالحرير الصخري لا تؤثر فيه النار، بل هو يزداد إذا لمسها نظافة، ومن ثم يلبسه رجال المطافئ في الدول المتمدنة.
وكم في الأرض من عجائب، وكم في العوالم الأخرى من مثلها، فالأرض مملوءة نارا، وما خلص من النار إلا قشرتها التي نعيش عليها، وما من شجر أو حجر إلا وفيه نار، والماء نفسه مادة نارية فنحو ٩/٨ منه أوكسجين وهو مادة تشتعل سريعا، والتسع أدروجين، فأرضنا نار، ماؤنا نار، وأشجارنا وأحجارنا مليئة بالنار، وهذا العالم الذي نسكنه تتخلله النار.
والخلاصة : إن هؤلاء المشركين فتنوا بالرؤيا، وفتنوا بالشجرة.
وقد وصفت هذه الشجرة بكونها ملعونة ولا ذنب لها، للعن الكفار الذين يأكلونها، توسعا في الاستعمال وهو كثير في كلام العرب.
ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا أي ونخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة، فما يزيدهم التخويف إلا تماديا في الطغيان والضلال، فلو أننا أنزلنا عليهم الآيات التي اقترحوها، لم يزدادوا بها إلا تمردا وعنادا واستكبارا في الأرض وفعل بهم ما فعل بأمثالهم من الأمم الغابرة من عذاب الاستئصال، لكن قد سبقت كلمتنا بتأخير العذاب عنهم إلى حلول الطامة الكبرى.
والكلام مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم على ما عسى أن يعتريه من عدم الإجابة إلى إنزال الآيات المقترحة لمخالفتها للحكمة، من الحزن لطعن الكفار، إذ ربما، يقولون لو كنت رسولا حقا لأتيت بمثل هذه المعجزات التي أتى بها من قبلك من الأنبياء.
تفسير المراغي
المراغي