ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

بها، أو كلام نحوه.
ويحتمل الآيات التي ذكر: كسوف الشمس والقمر وغيره، وما نرسل ذلك إلا تخويفًا للناس، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)
أي: وقد قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، الإحاطة بالشيء تكون بالوجوه الثلاثة: أحدها: بالغلبة والقدرة والسلطان؛ كقوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) أي: أخذهم الهلاك والغلبة وقدر عليهم.
والثاني: الإحاطة: العلم به؛ كقوله: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) أي: عالمًا، وقوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ)، أي: لا يعلمون.
والثالث: الإحاطة المعروفة بين الخلق، من إحاطة بعضهم بعضًا، فذلك لا يحتمل في اللَّه سبحانه وتعالى - فهو على الوجهين الأولين: على إحاطة العلم بهم، أو القدرة عليهم والغلبة.
ثم قوله: (أَحَاطَ) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (أَحَاطَ) بأعمالهم بما لهم، وما عليهم، وبما لا يصلح لهم وما يصلح، وهو ما ذكرنا في قوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم كانوا يمكرون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ يريدون إطفاء نوره، ويمنعونه عن تبليغ الرسالة؛ كقوله: (وَإِذ يَمْكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية؛ فيقول (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، أي: قد علم بمكرهم بك، على علم منه بمكرهم بك بعثك رسولًا إليهم، وكلفك على تبليغ الرسالة إليهم، لكنه وعد أن يعصمك منهم ويمنعك عنهم حتى تبلغ الرسالة؛ بقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، وقوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا...) الآية. كان - عزَّ وجلَّ - يبعث الرسل ويكلفهم تبليغ الرسالة إليهم على علم منه بما يكون من قومهم من المنع والمكر

صفحة رقم 72

برسله، لكنه عصمهم، ومكن لهم؛ حتى بلغوا الرسالة إليهم؛ فعلى ذلك قوله: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) بالعلم والقدرة والغلبة عليهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ):
قال عامة أهل التأويل: إن الرؤيا التي أراها إياه لم تكن رؤيا المنام؛ ولكن رؤية يقظة ورؤيا عين، معاينة بالتي تنام، لا بالذي لا ينام منه لأنه رُويَ عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " تَنَامُ عَينَاي، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي "، فإنما أراه من الرؤيا بالعين التي كانت تنام لا رؤيا قلب وعلم.
قال سعيد بن المسيب: هي رؤيا منام: روي أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رأى قومًا على منابر، فساءه ذلك، فذكر أنهم كانوا يعطون مالًا؛ فذلك فتنة لهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه أري رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في المنام كأنه يدخل المسجد الحرام آمنًا، فأخبر بذلك أصحابه أنه رأى ذلك، فلما كان عام الحديبية، وصرف عن البيت ارتاب بعض الناس في رؤياه، فذلك فتنة للناس على ما أخبر، لكنّه لم يبين له متى يدخل فيه، وقد وعد أنه يدخل فيه آمنًا، وهو ما قال: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)، والفتنة: المحنة الشديدة، فإن كان ذلك في الرؤيا التي رآها في مسير بيت المقدس، وما أخبر من الآيات - لا يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر ولا بسحر؛ فذلك الذي أخبرهم أنه رأى فتنة لهم ومحنة في التصديق والتكذيب في الخبر الذي أخبر أمن الآيات، لا يتوهم، مثل ذلك بتعليم بشر، فإن كان على رؤيا منام فهو فتنة لما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ).

صفحة رقم 73

أي: كانت الشجرة الملعونة التي ذكرت في القرآن -أيضًا- فتنة لهم؛ كقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ...) الآية.
ووجه فتنتها لهم: ما ذكر في القصة: أنهم قالوا: إن محمدًا يقول: إن في النار شجرة، والنار من طبعها أن تأكل الشجرة؛ فكيف يكون في النار الشجرة، وهي تأكلها؟ ولكن لم يعرفوا أن شجر النار يكون من النار، وشرابهم من النار، وكذلك طعامهم من النار؛ فإذا كان من النار لم تأكلها النار.
ومنهم من قال: الزقوم: هو الزبد والتمر؛ فكيف يكون فيها ذلك؟! فيدعون بذلك الكذب عليه فيما يخبرهم: أن في النار شجرة؛ فتلك الشجرة -أيضًا- كانت فتنة لهم ومحنة في تصديق رسول اللَّه وتكذيبه.
وسماها (الْمَلْعُونَةَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن العرب سمت كل ضارّ مؤذ ملعونًا؛ فلذلك سميت شجرة الزقوم ملعونة؛ إذ كانت ضارة لأهلها مؤذية.
قال الحسن: سميت: ملعونة؛ لما لعن أهلها بها؛ فسميت باسم أهلها، وهو ما سمي النهار مبصرًا، والنهار لا يبصر؛ ولكن يبصر به؛ فسمي باسمه؛ فعلى ذلك هذا.
وأصل اللعن: الطرد؛ فطرد منها كل خير ونفع؛ فهي ملعونة، وكقوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ): أضاف الإضلال إلى الأصنام والأصنام لا صنع لها في ذلك؛ لكن كثيرًا من الناس ضلوا بها؛ فكأنها أضلتهم، وكقوله: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، أي: اغتروا بها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي الْقُرْآنِ)، أي: ذكرت في القرآن، وإلا: الشجرة لا تكون في القرآن، وهو ما ذكر من المصائب وغيرها، كقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ...) الآية، والمصائب لا تكون في الكتاب؛ لكن ذكرت فيه ويخوفهم بما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) هو ما ذكرنا في قوله: (مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا) وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) فرادهم ما ذكر.

صفحة رقم 74

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية