ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت.
قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس.
أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره وعد نبيه ﷺ أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما قد قال له أولاً.
ومعنى: أَحَاطَ بالناس أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل.
ثم قال: وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ [إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ].
يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا

صفحة رقم 4233

مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [ تعالى] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفاً في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه.
وأيضاً فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك.
وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي ﷺ بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله ﷺ السير إلى مكة قبل الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد رسول الله ﷺ، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك.
والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي ﷺ أصبح

صفحة رقم 4234

- غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد شهوراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [ تعالى].
ويروى " أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [Bهـ] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. / فقال أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال الحسن، قال النبي ﷺ: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ ﷺ] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله [ ﷺ] كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت أشهد أنك رسول الله [ ﷺ] حتى إذا انتهى، قال النبي ﷺ لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق "
وأنزل الله [ تعالى] فيمن ارتد عن إسلامه

صفحة رقم 4235

في ذلك الوقت الآية: وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ الآية.
وقيل: إنها رؤيا رآها النبي ﷺ بالمدينة فغمته: رأى أن بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات.
والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضاً فإن السورة مكية، والريا التي رآها في المنام بالمدينة كانت.
وقوله: والشجرة الملعونة فِي القرآن.
قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير والنخعي ومجاهد والضحاك.

صفحة رقم 4236

وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم فوصفها الله [ تعالى] لهم في " والصافات ".
قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم بنار تخرق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [ال] شجرة.
وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا.
وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين.

صفحة رقم 4237

الهداية الى بلوغ النهاية

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

الناشر مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
سنة النشر 1429
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية