ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

انتهى الدرس السابق بتقرير أن الله وحده هو المتصرف في مصائر العباد، إن شاء رحمهم وإن شاء عذبهم ؛ وأن الآلهة التي يدعونها من دونه لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويله إلى سواهم.
فالآن يستطرد السياق إلى بيان المصير النهائي للبشر جميعا - كما قدره الله في علمه وقضائه - وهو انتهاء القرى جميعها إلى الموت والهلاك قبل يوم القيامة، أو وقوع العذاب ببعضها إن ارتكبت ما يستحق العذاب. فلا يبقى حي إلا ويلاقي نهايته على أي الوجهين : الهلاك حتف أنفه أو الهلاك بالعذاب.
وبمناسبة ذكر العذاب الذي يحل ببعض القرى يشير السياق إلى ما كان يسبقه من الخوارق على أيدي الرسل - قبل رسالة محمد [ ص ] - هذه الخوارق التي امتنعت في هذه الرسالة، لأن الأولين الذين جاءتهم كذبوا بها ولم يهتدوا فحق عليهم الهلاك. والهلاك لم يقدر على أمة محمد لذلك لم يرسله بالخوارق المادية، وما كانت الخوارق إلا تخويفا للأمم الخالية مما يحل بها من الهلاك إذا كذبت بعد مجيئها.
وقد كف الله الناس عن الرسول [ ص ] وعصمه منهم فلا يصلون إليه. وأراه الرؤيا الصادقة في الإسراء لتكون ابتلاء للناس، ولم يتخذ منها خارقة كخوارق الرسالات من قبل، وخوفهم الشجرة الملعونة في القرآن - شجرة الزقوم - التي رآها في أصل الجحيم، فلم يزدهم التخويف إلا طغيانا. وإذن فما كانت الخوارق إلا لتزيدهم طغيانا.
وفي هذا الموضع من السياق تجيء قصة إبليس مع آدم، وإذن الله لإبليس في ذرية آدم إلا الصالحين من عباده فقد عصمهم من سلطانه وإغوائه.. فتكشف القصة عن أسباب الغواية الأصيلة التي تقود الناس إلى الكفر والطغيان، وتبعدهم عن تدبر الآيات.
ويلمس السياق في هذا الموضع وجدان الإنسان بذكر فضل الله على بني آدم، ومقابلتهم هذا الفضل بالبطر والجحود، فلا يذكرون الله إلا في ساعات الشدة. فإذا مسهم الضر في البحر لجأوا إليه. فإذا أنجاهم إلى البر أعرضوا. والله قادر على أن يأخذهم في البر وفي البحر سواء ! ولقد كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلقه، ولكنهم لا يشكرون ولا يذكرون. ويختم هذا الدرس بمشهد من مشاهد القيامة ؛ يوم يلقون جزاءهم على ما قدمت أيديهم، فلا مجال للنجاة لأحد إلا بما قدمت يداه.
أما الخوارق التي وقعت للرسول [ ص ] وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة. إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء.
( وإذ قلنا لك : إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ).
ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول [ ص ] بعد حادثة الإسراء، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا. ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة " فتنة للناس " وابتلاء لإيمانهم. أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعدا من الله لرسوله بالنصر، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه.
ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة. ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين. فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما : هاتوا لنا تمرا وزبدا، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول : تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا !
فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين ؟ وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا ؟
إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده. ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة. فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق. أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.. ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين. ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين. وظل القرآن - معجزة الإسلام - كتابا مفتوحا لجيل محمد [ ص ] وللأجيال بعده، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته. إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه. وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير