ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

ثم ذكر محل ظهور كرامة بني آدم، وهو يوم القيامة، فقال :
يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً
يقول الحقّ جلّ جلاله : واذكر يوم ندعو كلَّ أناس بإِمامهم ؛ بنبيهم. فيقال : يا أُمَّةَ فلان، يا أمة فلان، احضروا للحساب. أو : بكتاب أعمالهم، فيقال : يا صاحب الخير ويا صاحب الشر، فهو مناسب لقوله : فمن أُوتي. . . الخ.
وقال محمد بن كعب القرظي : بأسماء أمهاتهم، فيكون جمع " أم "، كخف وخفاف، لكن في الحديث :" إِنكُم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسمَائِكُمْ وأسمَاءِ آبَائِكًمْ " ١، ولعل ما قاله القرظي مخصوص بأولاد الزنا. وفي البيضاوي : قيل : بأمهاتهم، والحكمة في ذلك : إجلال عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين، وألا يُفتضح أولاد الزنى. ه.
وقال أبو الحسن الصغير : قيل لأبي عمران : هل يدعى الناس بأمهاتهم يوم القيامة أو بآبائهم ؟ قال : قد جاء في ذلك شيء أنهم يدعون بأمهاتهم فلا يفتضحوا. وفي البخاري - باب يدعى الناس بآبائهم -، وساق حديث ابن عمر :" يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. يُقَالُ : هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ ابنُ فُلاَن " ٢، فظاهر الحديث أنهم يدعون بآبائهم، وهو الراجح، إلا فيمن لا أب له. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى : فمن أوتي كتابه بيمينه أي : فمن أوتي صحيفة أعماله، يومئذ، من أولئك المدعوين بيمينه ؛ إظهارًا لخطر الكتاب، وتشريفًا لصاحبه، وتبشيرًا له من أول الأمر، فأولئك يقرؤون كتابهم المؤتى لهم. والإشارة إلى " مَن " : باعتبار معناها ؛ لأنها واقعة على الجمع ؛ إيذانًا بأنهم حزب مجتمعون على شأنٍ جليل، وإشعارًا بأن قراءتهم لكتبهم يكون على وجه الاجتماع، لا على وجه الانفراد ؛ كما في حال الدنيا. وأتى بإشارة البعيد ؛ إشعارًا برفع درجاتهم، أي : أولئك المختصون بتلك الكرامة، التي يُشْعِرُ بها الإيتاء المذكور، يقرؤون كتابهم ولا يُظلمون فتيلاً ؛ ولا ينقصون من أجور أعمالهم المرسومة في صحيفتهم أدنى شيء، فإن الفتيل - وهو : قشر النواة - مَثلٌ في القلة والحقارة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يدعو الحق تعالى، يوم القيامة، الأمم إلى الحساب بأنبيائها ورسلها، ثم يدعوهم، ثانيًا، للكرامة بأشياخها وأئمتها التي كانت تدعوهم إلى الحق على الهَدْي المحمدي. فيقال : يا أصحاب فلان، ويا أصحاب فلان، اذهبوا إلى الجنة، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. وهذا في حق أهل الحق والتحقيق، الدالين على سلوك الشريعة، والتمسك بأنوار الحقيقة ؛ ذوقًا وكشفًا، فكل من تبعهم وسلك منهاجهم، كان من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم : أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما من لم يكن من حزبهم، ولم يدخل تحت تربيتهم، فإن استعمل عقله وقُواه فيما يُنجيه يوم القيامة ؛ كان من الذين يُؤتون كتابهم بيمينهم، ولا يظلمون فتيلاً. ومن أهمل عقله واستعمل قواه في البطالة والهوى، كان من القبيل الذي عاش في الدنيا أعمى، ويكون في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، والعياذ بالله.



١ أخرجه أحمد في المسند ٥/١٩٤..
٢ أخرجه البخاري في الأدب باب ٩٩، والجزية باب ٢٢، والحيل باب ٩، والفتن باب ٢١، ومسلم في الجهاد حديث ٨، ١٠-١٧..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير