أقم الصلاة لدلوك الشمس اللام للتأنيث كما في قولك لثلاث خلون، يعني صل وقت دلوك الشمس، ومعناه الزوال على قول ابن عباس وابن عمر وجابر وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين كذا روى ابن مردويه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا روى البزار وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه ما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده وابن مردويه في تفسيره والبيهقي في المعرفة من حديث أبي مسعود الأنصاري قوله صلى الله عليه وسلم :( أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر ) الحديث وهو من الدلك لأن الناظر إليها يدلك عينه ليدفع شعاعها، وقيل معنا الغروب قال البغوي روي عن ابن مسعود أنه قال : الدلوك الغروب وهو قول إبراهيم النخعي ومقاتل بن حبان والضحاك والسدي ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس يميل إذا زالت أو غربت، وفي القاموس دلكت الشمس دلوكا غربت أو اصفرت أو زالت عن كبد السماء، قال البيضاوي أصل التركيب للانتقال ومنه الدلك فإن الدالك لا يستقر يده وكذا ما يتركب من الدال واللام كدلج ودلح ودلع ودلف ودله، قال البغوي والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها حيث قال الله تعالى : إلى غسق الليل أي إلى غيبوبة شفق الليل وامتلائه ظلمة ومعنى الغسق الامتلاء كما ذكرنا في سورة الفلق وفي القاموس الغسق ظلمة أول الليل والغاسق القمر أو الليل إذا غاب الشفق فذكر فيه مواقيت أربع من الصلوات الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء وذكر وقت الفجر بقوله : وقرءان الفجر أي صلاة الفجر سميت الصلاة قرآنا لأن القرآن ركن فيها، كما سميت ركوعا وسجودا، وانتصاب القرآن إما على أنه عطف على الصلاة أي وأقم قرآن الفجر قاله الفراء، وقال أهل البصرة هو على الإغراء أي وعليك قرآن الفجر، وجاز أن يكون التقدير واقرأ قرآن الفجر يعني اقرأ القرآن في صلاة الفجر، فيكون أمرا بالقراءة في صلاة الفجر عبارة وفي غيرها دلالة، وقد ذكرنا مواقيت الصلاة في سورة النساء في تفسير
قوله تعالى : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ١ إن قرآن الفجر كان مشهودا يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( تفضل صلاة الجميع على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا٧٨ ٢ رواه البخاري وغيره، قال البيضاوي أو يشهده شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه، أو كثير من المصلين أو من حقه أن يشهده الجمع الغفير، وقيل : المراد بالصلاة في قوله تعالى أقم الصلاة صلاة المغرب لدلوك الشمس أي وقت غروبها إلى غسق الليل أي إلى غيبوبة الشفق ففيه بيان لمبدأ وقت المغرب ومنتهاه ودلت الآية على هذا على كون وقت المغرب ممتد إلى غيبوبة الشفق فحينئذ أمر الله بالصلاتين لكمال اهتمامهما.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل صلاة الفجر في جماعة (٦٢١)..
التفسير المظهري
المظهري