ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

الصلاة لأوقاتها
" أقم الصلاة لدلوك الشمس على غسق الليل، و قرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ".
( سورة الإسراء الآية ٧٩ )
المفردات
( أقم ) أمر من أقام أي اجعلها قائمة، وذلك بحفظها و المحافظة عليها :
و حفظها صونها من الخلل في شروطها و أركانها، من أقوالها و أعمالها في الظاهر وبالباطن.
و المحافظة عليها بالمداومة عليها في أوقاتها.
( الصلاة ) المراد الصلوات الخمس المكتوبة.
( لدلوك ) اللام لام الأجل و السببية ( الدلوك )، هو الميل وبدايته عند الزوال، ونهايته بالغروب. ( وإلى ) لانتهاء الغاية ؛ فغسق الليل هو نهاية غاية الإقامة.
( الغسق ) هو ظلمة الليل، و بداية الظلمة بالغروب، وتمامها بعد مغيب الشفق عند اشتداد الظلمة.
( قرآن الفجر )، ما يقرأ به في صلاة الفجر – وهي الصبح – من القرآن، فسميت قرآنا من تسمية الكل باسم جزئه١، تنبيها على أهمية ذلك الجزء و مكانته.
( مشهودا ) محضورا٢.
التراكيب
أفادت اللام السببية، أن ميل الشمس سبب في وجوب الصلاة. ( وإلى ) عند التجرد عن القرائن لا يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها. لكن هنا قامت القرينة الشرعية – وهي مشروعية الصلاة في الليل – على أن ما بعد ( إلى ) داخل في حكم ما قبلها، فهو٣ محل أيضا لإقامة الصلاة فيه.
( وقرآن الفجر ) منصوب عطفا على الصلاة، وخصصت بالذكر ؛ لأنها لم تكن عند ميل الشمس، و لا عند الغسق، بل تكون عند الوقت الذي أضيفت إليه وهو الفجر.
و جملة ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) تذييل لتأكيد إقامة صلاة الفجر.
المعنى :
أقم يا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم، و أمره أمر لأمته ؛ لأنهم مأمورون بالاقتداء به – الصلاة ؛ لأجل ميل الشمس : فأد الظهر والعصر، و في غسق الليل فأد المغرب والعشاء، و أقم صلاة الفجر، إنها صلاة مشهودة.
بيان وتوجيه :
هذه الآية قد انتظمت أوقات الصلاة الخمس، ووجه ذلك بوجوه :
أوقات الصلاة من الآية
الأول :
أن الظهر تكون أول الميل، والعصر تكون وسطه.
و أن المغرب تكون عند أول الغسق، و العشاء تكون عند شدته بمغيب الشفق.
و الصبح عند الفجر.
الثاني :
أن الظهر عند أول الميل، والعصر عند وسطه، والمغرب عند نهايته.
والعشاء عند الغسق، أي اشتداد الظلمة بمغيب الشفق.
والفرق بين الأول والثاني :
أن الأول اعتبر المغرب عند بداية الظلمة، والثاني اعتبرها عند تمام الميل، و هما في الواقع متلازمان ؛ فإنه إذا تم الليل ابتدأت الظلمة.
رأي الشيخ
الثالث :
و لم أره لأحد، و اللفظ يحتمله٤ :
أن ميل الشمس يبتدئ بالزوال، وينتهي فيما يرى لنا بالبصر – بمغيب الشفق، غير أن ميلها في الزوال والغروب مشاهدة بمشاهدة ذاتها، وميلها بعد الغروب مستدل عليه بما يشاهد من أخذ الشفق في المغيب، إلى أن يغيب بتمامه ؛ و لا شك أن ذلك نتيجة ميلها من وراء الأفق ؛ فالصلوات الأربع على هذا واجبة لدلوك الشمس.
و أما غسق الليل، فهو اشتداد ظلمته، وذلك يكون على أتمه بعد مضي الثلث الأول من الليل ؛ فيكون غسق الليل بهذا المعنى خارجا عن حكم ما قبل ؛ لأن وقت العشاء ينتهي بانقضاء الثلث الأول، فالأوقات تنتهي عند غسق الليل٥.
تفسير نبوي :
فضل صلاة الفجر
أخرج البخاري – رحمه الله تعالى – في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :
" سمعت رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم – يقول : تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزء، وتجتمع ملائكة الليل و ملائكة النهار في صلاة الفجر " ثم يقول أبو هريرة فاقرءوا إن شئتم :" إن قرآن الفجر كان مشهودا ".
فاستشهد أبو هريرة بالآية على الحديث، ليبين أنه تفسير لها، وأن صلاة الفجر مشهودة تشهدها ملائكة الليل و ملائكة النهار.
و جاء هذا عند أحمد بن مسعود مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و آله وسلم.
و جاء اجتماع الملائكة بأبسط من هذا عند مالك رحمه الله، فأخرج في موطئه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم – قال :
" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم – و هو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون :" تركناهم وهم يصلون و أتيناهم وهم يصلون " ٦
استنباط :
من تخصيص صلاة الفجر بجملة التذييل المؤكدة، وما اشتملت عليه من هذه المزية، أخذ جماعة من أهل العلم أفضليتها عن غيرها.
مزية الفجر
فإن قلت : إن صلاة العصر أيضا لها من هذه المزية، كما تقدم في حديث مالك.
قلت : عن ثبوت هذه المزية للفجر قطعي بنص القرآن، و متفق عليه في روايات الحديث بخلاف العصر، فقد جاء في بعض الروايات دون بعض.
وتبقى الفجر ممتازة بتخصيصها بالتأكيد في نص الكتاب وكفى هذا مرجحا لها.
ترغيب وترهيب :
عهد بدخول الجنة
قد جاء عن النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – في الترغيب في امتثال هذا الأمر :( أقم الصلاة ). وفي الترهيب من مخالفته من الأحاديث ما فيه مقنع و مزدجر.
فمما جاء فيهما حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال :
" سمعت رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم – يقول : خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا – استحقاقا بحقهن٧ - كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. و من لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد : إن شاء عذبه، و إن شاء أدخله الجنة ". رواه مالك وغيره.
ومما جاء في الترغيب حديث أبي هريرة – رضي الله عنه- قال :
" سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يقول :" أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل بقي من درنه٨ شيء ؟ قالوا : لا يبقى من درنه شيء. قال : فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا ". رواه الشيخان في صحيحهما.
تارك الصلاة كافر :
و مما جاء في الترهيب حديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنه -، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم :
" بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة "، رواه مسلم وغيره بنحوه.
وحديث بريدة رضي عنه مرفوعا :
" والعهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " رواه أحمد و أصحاب السنن، و صححه الترمذي، و ابن حبان والحاكم.
الأحكام :
الخلاف في كفر تارك الصلاة
قد قال بكفر تارك الصلاة جماعات كثيرة من الفقهاء والمحدثين سلفا وخلفا، مستدلين بحديث جابر، و حديث بريدة الصريحين في كفره.
و ذهبت جماعات أخرى – كذلك – إلى عدم كفره على عظم جرمه، مستدلين بحديث عبادة بن الصامت المتقدم، في جعله في المشيئة. والكافر مقطوع له بدخول النار.
و يجيبون عن حديث جابر وبريدة بأن المراد من كفر تارك الصلاة، هو الكفر العملي.
أقسام الكفر
والكفر قسمان :
اعتقادي و هو الذي يضاد الإيمان.
و كفر عملي وهو لا يضاد الإيمان، و منه كفر تارك الصلاة، غير المستحل للترك، و كفر من لم يحكم بما أنزل الله كذلك. و بهذا يجمع بين الأحاديث.
عظة
و كفى زاجرا للمرء عن ترك الصلاة أن يختلف في إيمانه هذا الاختلاف. ٩
تعليم :
قيمة الوقت في الإسلام
في ربط الصلاة بالأوقات، تعليم لنا، لنربط أمورنا بالأوقات. ونجعل لكل عمل وقته : فللنوم وقته، وللأكل وقته، وللراحة وقتها، ولكل شيء وقته.
وبذلك يضبط للإنسان أمر حياته، وتطرد له أعماله، ويسهل عليه القيام بالكثير من الأعمال.
أما إذا ترك أعماله غير مرتبطة بوقت، فإنه لابد أن يضطرب عليه أمره، و يتشوش باله، ولا يأتي إلا بالعمل القليل، ويحرم لذة العمل وإذا حرم لذة العمل ؛ أصابه الكسل و الضجر فقل سعيه، وكان ما يأتي به من عمل على قلته و تشويشه – بعيدا عن أي إتقان. ١٠
التقسيم النبوي للأوقات :
و قد كان النبي صلى الله عليه و آله وسلم – مقسما لزمانه على أعماله، وفيه القدوة الحسنة فقد روى عياض في " الشفا " ١١عن علي – رضي الله عنه١٢قال :
فكان – صلى الله عليه و آله وسلم – إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء. فجزء لله، و جزء لأهله، و جزء لنفسه.
ثم جزءاه بينه وبين الناس ؛ فيرد ذلك على العامة بالخاصة١٣، ولا يدخر عنه شيئا ؛ فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، و قسمته على قدر فضلهم في الدين : منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج ؛ فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم و الأمة مسئلته عنهم، و إخبارهم بالذي ينبغي لهم.
و يقول : ليبلغ الشاهد منكم الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته. فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة.
لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. يدخلون١٤ روادا و لا يتفرقون إلا عن ذواق و يخرجون أدلة١٥ ا ه
فهكذا ينبغي للمسلم أن يقسم أوقاته على أعماله، ويعمرها كلها بالخير.
وكما ربط الله له صلاته بالأوقات، وهي من أمور دينه – كذلك يربط هو بالأوقات جميع أمور دنياه.
والله نسأل لنا ولجميع المسلمين أن يقصرنا على طاعته، ويفقهنا في أسرار دينه، و يوفقنا إلى اتباع سنة رسوله، عليه و على آله أفضل الصلاة والسلام.

١ مجاز لغوي، علاقته الجزئية،.
٢ أي تحضره الملائكة و تشهده، كما سيأتي..
٣ أي غسق الليل، .
٤ وهذا من اجتهاد الإمام رحمه الله.
.

٥ و خلاصة الآراء إذن هي :- على الرأي الأول – إن وقت الظهر والعصر في أول الميل ووسطه، و أن المغرب والعشاء عند أول الغسق و شدته.
و على الرأي الثاني : أن وقت الظهر والعصر والمغرب كلها في الميل، والعشاء عند شدة الظلمة أي الغسق.
وعلى رأي بن باديس: أن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كلها في دلوك الشمس، لأن ميلها يبتدئ بالزوال وينتهي بمغيب الشفق، وأما صلاة الصبح فأفردت وحدها في الأراء الثلاثة..

٦ وسر هذه الشهادة – كما ذكره بعض شراح الحديث – هو شهادة الملائكة لعباد الله بالصلاة و الصلاح) بعد قولتهم السابقة :" أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء؟ ونحن نسبح بحمدك " ؟!. وأيضا تدعو الملائكة للمحافظين على الصلاة كما في بعض الروايات زيادة :" فاغفر لهم يوم الدين ".
.

٧ أي وفاهن حقهن من المحافظة والخضوع والخشوع وصونها من الخلل ولم يسه عنها..
٨ الدرن : الأقذار والأوساخ على الجسد..
٩ فليسمع الضالون، و الفاسقون، تاركو الصلاة، والمستهزئون بمن يصلون.. جعلنا الله من المحافظين عليها، و هدانا جميعا إلى الصراط المستقيم..
١٠ و حديث الرسول صلى الله عليه و آله وسلم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه "..
١١ كتاب " الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه و آله وسلم " للقاضي عياض من علماء القرن السادس الهجري، الباب الثاني، الفصل الثالث والعشرون ٩٣.
١٢ في الشفا : قال الحسين، سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال : كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان...
١٣ فيرد ذلك على العامة بالخاصة : أي جعل من نفسه ما يوصل الخاصة إليه فتوصل عنه للعامة، و قيل : يجعل منه للخاصة ثم يبدلها في جزء آخر بالعامة..
١٤ من حديث سفيان بن وكيع " يدخلون روادا... إلى أدلة "..
١٥ يدخلون رودا، يعني محتاجين إليه و طالبين لما عنده، ولا يتفرقون إلا عن ذواق يعني عن علم يتعلمونه، و يخرجون أدلة : يعني فقهاء معلمين لقومهم وغيرهم..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير