ولما أمره بالقيام بوظائف العبودية، أمره بالتعلق في أموره كلها بالربوبية، فقال :
وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً * وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً
يقول الحقّ جلّ جلاله : وقل يا محمد : ربِّ أَدْخلني في الأمور كلها مُدْخلَ صدقٍ ؛ بأن أدخل فيها بك لا بنفسي، وأَخرجني منها مُخرجَ صدقٍ كذلك، مصحوبًا بالفهم عنك، والإذن منك في إدخالي وإخراجي. وقيل : أدخلني قبري مدخل صدق راضيًا مرضيًا، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، أي : إخراجًا مرضيًا مُلقى بالكرامة. فيكون تلقينًا للدعاء بما وعده من البعث، المقرون بالإقامة للمقام المحمود، التي لا كرامة فوقها. وقيل : المراد : إدخال المدينة، والإخراج من مكة. وقيل : إدخاله - عليه الصلاة والسلام - مكة ؛ ظاهرًا عليها، وإخراجه منها ؛ آمنًا من المشركين. وقيل : إدخاله الغار، وإخراجه منه سالمًا. وقيل : إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة، وإخراجه منه مؤديًا حقه. وقيل : إدخاله في كل ما يلائمه من مكان أو أمر، وإخراجه منه بالحفظ والرعاية، بحيث يدخل بالله ويخرج بالله. وهو الراجح كما قدمناه.
واجعل لي من لدنك أي : من مستبْطَن أمورك، سُلطانًا نصيرًا أي حجة ظاهرة، تنصرني على من يخالفني ويعاديني، أو : عزًا ناصرًا للإسلام، مظهرًا له على الكفر. فأجيبتْ دعوته - عليه الصلاة والسلام - بقوله : فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [ المائدة : ٥٦ ]، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ التّوبَة : ٣٣ ]، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ. . . [ النُّور : ٥٥ ] الآية، وبقوله : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ [ الصَّافات : ١٧١، ١٧٢ ] الآية. وذلك حين يظهر الحق، ويزهق الباطل، كما قال : وقل جاء الحق .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي