وإذا أدرك العبد هذه النعمة العظمى، وجب عليه دوام الشكر، كما نبه عليه تعالى بذكر ضدها، فقال :
وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإٍذا أنعمنا على الإِنسان : بالصحة والعافية والنعمة، أعرضَ عن ذكرنا، فضلاً عن القيام بالشكر، ونَأى أي : تباعد بجانبه ؛ لوى عطفه وبعد بنفسه. فالنأي بالجانب : أن يلوي عن الشيء عِطفَه ويوليه عُرض وجهه، فهو تأكيد للإعراض. أو عبارة عن التكبر ؛ لأنه من ديدن المستكبرين، وإِذا مسَّه الشرُّ ؛ من فقر، أو مرض، أو نازلة من النوازل، كان يؤوسًا ؛ شديد اليأس من روحنا وفرجنا. وفي إسناد المسِّ إلى الشر، بعد إسناد الإنعام إلى ضمير الجلالة ؛ إيذان بأن الخير مراد بالذات، والشر ليس كذلك. وهذا الوصف المذكور هنا هو وصف للإنسان باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذا الوصف، ولا ينافيه قوله تعالى : وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ [ فُصّلَت : ٥١ ]، ونظائره ؛ فإن ذلك في نوع آخر من جنس الإنسان. وقيل : أريد به الوليد بن المغيرة.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي