قوله تعالى: وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا يعني لا يزيد ما هو شفاء للمؤمنين إلا خسارًا للظالمين، والفعل الذي هو (يزيد) مسند إلى ما في قوله: مَا هُوَ شِفَاءٌ، المراد بـ الظَّالِمِينَ: المشركين، قاله ابن عباس.
قال قتادة: لأنه لا يحفظه ولا ينتفع به ولا ينتفعون بمواعظه (١)، فالقرآن سبب لهداية المؤمنين وزيادة لخسار الكافرين.
٨٣ - قوله تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة (٢)، أَعْرَضَ، معنى أعرض في اللغة: وَلَّى عَرْضَه، أي ناحيته (٣)، والمعنى: أنه لا يُقْبِل على الدعاء والابتهال على حسب ما يُقْبل في حال البلوى والمحنة (٤).
وَنَأَى بِجَانِبِهِ قال مجاهد وابن عباس: تباعد (٥).
(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٨، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٨٠، و"الفخر الرازي" ٢١/ ٣٥، والآية عامة في كل من اتصف بما فيها، وذكر الوليد من قبيل التفسير بالمثال.
(٣) انظر عرض في "المحيط في اللغة" ١/ ٣٠٦، و"الصحاح" ٣/ ١٠٨٤، و"اللسان" ٥/ ٢٨٨٩.
(٤) ورد في "الحجة للقراء" ٥/ ١١٦، بنصه تقريبًا.
(٥) "تفسير مجاهد" ١/ ٣٦٨ بلفظه، وأخرجه "الطبري" ١٥/ ١٥٣ بلفظه عن مجاهد من طريقين، وورد بلفظه عن مجاهد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٧، و"تفسير هود الهواري" ٢/ ٤٣٨، و"الطوسي" ٦/ ٥١٤، وأورده المسيوطى في "الدر المنثور" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وروى شِبْل عن مجاهد: بَعُدَ مِنّا (١)، وقال عطاء: تَعَظَّم وتَكَبَّر (٢).
وقال أهل المعاني: بَعَّد نفسه عن القيام بحقوق نعم الله -عز وجل- (٣)، ومعني. النَّأْي في اللغة: البُعْد، ونَأَى الشيءَ إذا بَعّده (٤)، وذكرنا الكلام في النَّأْي عند قوله: وَيَنْئَوْنَ عَنهُ [الأنعام: ٢٦]، ومعنى وَنَأَى بِجَانِبِهِ كمعنى أعرض، وفيه زيادة معنى البعد، وفي قوله: وَنَأَى وجوه من القراءة؛ أحدها: وهو قراءة العامة (نَئَا) بفتحتين (٥)، وقرأ ابن عامر (نآء) مثل بَاعَ (٦)، وهذا على القلب، وتقديره: فلعَ (٧)، ومثل هذا في القلب: رأى وراءَ، قال كثير:
| وكلُّ خليلٍ راءني فهو قائلٌ | مِن أجلِكِ هذا هامَةُ اليومِ أو غَدِ (٨) (٩) |
(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٩ أ، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢٣، و"تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٨٠ بلا نسبة.
(٣) ورد في "تفسير الطوسي" ٦/ ٥١٤، بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" ١٠/ ٣٢١.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (ناء) ٤/ ٣٤٧٢، و"المحيط في اللغة" (نأى) ١٠/ ٤١٩، و"اللسان" (نأي) ٧/ ٤٣١٤.
(٥) قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص وغيرهم. انظر: "السبعة" ص ٣٨٤، و"علل القراءات" ١/ ٣٢٧، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٨٢، و"الحجة للقراء" ٥/ ١١٥، و"المبسوط في القراءات" ص ٢٣٠.
(٦) انظر المصادر السابقة.
(٧) أي مقلوب الميزان فعل: فلع.
(٨) "ديوانه" ص ١٣٣، وورد في "الكتاب" ٣/ ٤٦٧، و"الكامل" ٢/ ٨٠٦، و"الحلبيات" ص ٤٧، و"أمالي ابن الشجري" ٢/ ٢٠٢، و"اللسان" (هوم) ٨/ ٤٧٢٣، (رأى) ٣/ ١٥٤٥، (هامةُ اليوم أو غد): كناية عن اقتراب المريض من أجله؛ أي سيموت أليوم أو غدًا، وذلك من تأثير الشوق والحزن فيه، وأصل الهامة: طائر يخرج من رأس الميت -كما تزعم العرب. والشاهد: راءني يريد رآني، ولكنه قلب فأخّر الهمزة.
(٩) ورد في"الحجة للقراء" ٥/ ١١٧، بنصه.
قال أبو عبيدة: والعرب تقول ذلك، تُقَدّم الهمزة وتؤخرها (١) وأنشد (٢):
ولقد أراكَ تُشَآء بالأَظْعَانِ (٣)
أراد تُشَاء فأَخَّر الهمزة، ومما (٤) قدَّموا قولهم في جمع البِئْر: آبار، وأصلها: أبآر (٥)، فقدَّموا الهمزة مثل: جِذْع وأجْذَاع، وقِطع وأقطاع.
وقرأ حمزة والكسائي: (نِئى) بإمالة الفتحتين (٦)، ووجه ذلك: أنه أمال فتحة الهمزة لأن الألف منقلبة من الياء التي في (النَّأي)، فأراد أن
(٢) للحارث بن خالد المخزومي (جاهلي).
(٣) وصدره:
مرّ الحُمُولُ فما شَأَوْنَكَ نَقْرَةً
"شعر الحارث بن خالد" ص ١٠٧، وورد في: "المعاني الكبير" ١/ ٧٠، و"تهذيب اللغة" (شأي) ٢/ ١٨١٧، و"المنصف" ٣/ ٧٧، و"اللسان" (شأي) ٤/ ٢١٧٩، و"المزهر" ١/ ٤٧٩، و"نوادر أبي زيد" ص ٢٢٤ نسبه للأصمعي، وورد بلا نسبة في "المخصص" ١٤/ ٢٧، و"الخزانة" ٨/ ١٦٧ (الحمول): الإبل عليها النساء، (شَأَوْنَكَ): شَآني الشيءُ شَاوًا: أعجبني، وقيل: حَزَنَنِي، (نقرة): النقر هو الصوت العالي، كضرب الرّحى والحجر، (الأظعان): واحده ظعينة، وهو الهودج تكون فيه المرأة، يقول: مرت الحمول فما هيجن شوقك وكنت قبل ذلك يهيج وجدك بهن إذا عاينت الحمول. انظر: "اللسان" (نقر) ٨/ ٤٥١٨، (ظعن) ٥/ ٢٧٤٨.
(٤) ساقطة من (ع).
(٥) ساقط من (أ)، (د).
(٦) انظر: "السبعة" ص ٣٨٤، و"علل القراءات" ١/ ٣٢٧، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٨٢، و"الحجة للقراء" ٥/ ١١٥، و"المبسوط في القراءات" ص٢٣٠.
ينحو نحوها، فأمال فتحة النون لإمالة فتحة الهمزة، ولم يمل خلاَّد (١) عن سُلَيْم (٢) فتحة النون لأجل إمالة فتحة الهمزة، وقرأ (نَئِيَ) بفتح النون وكسر الهمزة (٣).
وقوله تعالى: وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا قال ابن عباس: يريد إذا أصابه مرض أو فقر يئس من رحمة الله (٤).
وقال أهل المعاني: هذا من صفة الجاهل بالله، وهو ذمّ له بأنه لا يثق بفضل الله على عباده، فيطمع في كشف تلك البلية من جهته، وحَسِبَ أن الشَّرّ ضَرْبَة لازب (٥)، ويؤوس: فعول من اليأس، ومضى الكلام في اليأس
وخلاَّد هو: ابن خالد، أبو عيسى الصَّيرفي الكوفي، الأحول، إمام في القراءة ثقة عارف محقق أستاذ، أخذ القراءة عرضًا عن سليم، وهو من أضبط أصحابه وأجلهم، روى القراءة عنه عرضًا أحمد الحلواني وعنبسة بن النضر، حدث عنه أبو زرعة وأبو حاتم، مات سنة (٢٢٠ هـ).
انظر: "معرفة القراء الكبار" ١/ ٢١٠، و"غاية النهاية" ١/ ٢٧٤، و"النشر" ١/ ١٦٦.
(٢) سُلَيْم بن عامر بن غالب، أبو عيسى الحنفي الكوفي، المقرئ صاحب حمزة الزيات وأخص تلامذته وأحذقهم بالقراءة، وهو الذي خلف حمزة في الإقراء بالكوفة، قرأ عليه خلف وخلاد، ولد سنة (١٣٠ هـ)، وتوفي سنة (١٨٨ هـ) انظر: "معرفة القراء الكبار" ١/ ١٣٨، و"غاية النهاية" ١/ ٣١٨، و"النشر" ١/ ١٦٦.
(٣) ورد في "الحجة للقراء" ٥/ ١١٧، باختصار وتصرف.
(٤) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٩، انظر: "تنوير المقباس" ص ٣٠٤.
(٥) أي لازم، يقول الفراء: اللاّزب واللاصق واحد، والعرب تقول: ليس هذا بِضَرْبة لازم ولازب، يبدلون الباءَ ميمًا. ورد في "تهذيب اللغة" (لزب) ٤/ ٣٢٥٨.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي