صفتان من صفات النوع الإنساني :
الأغراض عن النعمة و اليئوس من الرحمة
" وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان يئوسا.
قل كل يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ".
( سورة الإسراء الآيتان ٨٤، ٨٥ )
تمهيد :
في النوع الإنساني غرائز، غالبة عليه، لا يسلم منها إلا من عصم الله، أو وفق إلى الإيمان والعمل الصالح، وفي آيات القرآن العظيم بيان لكثير من تلك الغرائز، للتحذير من شرها، والتنبيه على سوء مغبتها، منها الآية الكريمة.
المناسبة :
لما ذكر تعالى أن القرآن يكون شفاء و رحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، بين تعالى سبب خسار أولئك الظالمين، وهو إعراضهم عن الله، و بعدهم عنه، ويأسهم من رحمته.
و علم منه أن المؤمنين الذين كان القرآن لهم شفاء ورحمة هم على الضد منهم : فهم أهل إقبال على الله تعالى، وقرب منه، ورجاء فيه.
المفردات :
( أنعمنا ) أوصلنا أنواع الإحسان.
( الإنسان ) المراد به النوع، باعتبار مجموعه، فلا ينافي خروج أفراد كثيرين بالعصمة والتوفيق.
( أعرض ) صد بوجهه إلى ناحية أخرى، فأرى عرض وجهه، أي ناحية وجهه ( نأى ) بعد.
( بجانبه ) بناحيته بشقه الأيمن أو الأيسر، والباء للتعدية أي أبعد جانبه.
( مسه ) أصابه. ( الشر ) البلايا و الرزايا بأنواعها
( يئوسا ) شديد اليؤس والقنوط، وعدم انتظار الفرح
التراكيب :
جيء بفعل الشرط و جوابه ماضيين١، لتحقق وقوعهما ؛ ولذلك كان التعليق بإذا وجواب الشرط والفعل والمعطوف عليه، فيهما الصورة التامة للمعرض غاية الإعراض ؛ فإنه يصرف عنك وجهه، وهذا مفاد الفعل الأول٢ ويلوى عنك اعطفه ويبعد جانبه، ويوليك ظهره، وهذا مفاد الفعل الثاني٣
ثم هما كناية عن الاستكبار وعد الاكتراث، وعدم الالتفات إلى مولى النعم/ سواء حصلت هذه الصورة بالفعل أو لم تحصل.
المعنى :
أ – و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض تمام الإعراض.
إما بعدم قبول تلك النعمة استكبارا، أو تهاونا كما يكون من الذين يكفرون بالقرآن أو يخالفونه. و هو من أعظم نعم الله عليهم.
و إما بعدم القيام بحق الله في تلك النعمة/ وعدم شكره عليها، كنعمة العقل، والبدن، والحال٤ وغيرها... ، إذا لم تستعمل في طاعة الله، ولم يقم بحقه فيها.
ب – و إذا مس الإنسان الشر، و نزلت به المصائب، وحلت به النوائب، فاستولى عليه اليأس والقنوط، وانسدت في وجهه أبواب الرجاء.
توجيه :
يرتبط اليأس من رحمة الله بالإعراض عن نعمته من جهتين :
اليأس وجزاؤه :
الأولى : أن من أعرض عن نعمة الله تعالى فقطع صلته بخالقه، وذهب ممعنا في بعده. فإذا نزلت به المصيبة كان كالمنقطع به في البيداء : يجد نفسه وحده فيأخذه اليأس والقنوط من كل جانب.
الثانية : أن الإعراض عن النعمة ترك لها ولموليها، والآيس متروك لوحده، مغضوب عليه، قد ترك فترك، وكان جزاؤه من جنس عمله.
انتقال واعتبار :
صبر المؤمن :
تلك حالة أهل الإعراض.
أما أهل الإقبال على الله تعالى والقبول لإنعامه، فإن قلوبهم عامرة بالله، و صلتهم متينة به ؛ فإذا نزلت بهم المصائب، رجعوا إليه وانتظروا رحمته، فكان ذكره غناهم في الفقر، وأنسهم في الوحشة، ونعيمهم في الألم وكان لهم من الرجاء أنواع رحمته، ما يهون عليهم جميع المصائب.
تبصير وتحذير :
واقع وواجب :
بصرنا القرآن في هذين الوصفين الذميمين، الإعراض عن النعمة، واليأس من الرحمة. ونحن نراهما فاشيين في أكثر الناس على تفاوت بينهم، على حسب ما عندهم من إيمان وعمل صالح.
بصرنا القرآن بهما ليحذرنا منهما، ومن سوء عواقبهما فإن الإعراض عن النعمة كفر بها ومقتض لسلبها، وإن اليأس من رحمة الله جهل به، وكفر بما هو متقلب فيه من نعمه وموجب لانطماس القلب، وشلل البدن، وانقطاع الأعمال.
فليحذر المؤمن من هذين الوصفين الذميمين، وليعمل على اجتنابهما واجتثاثهما من أصلهما.
سلوك :
الرضا والشكر :
على المرء أن يقبل نعم الله تعالى، ويقبل عليها إقبال المستعظم لها، العارف بحقها، وعظيم الفضل بها ؛ ليقوم بشكرها، وذكر الله عندها، وليتفحصها، وليتأملها نعمة نعمة، ليشكر الله عليها واحدة واحدة بالقلب واللسان، والأركان، حسب المستطاع.
حتى ما يكون من باب المصائب والآلام، فإنه يتناوله على أنه نعمة من الله تعالى، بما فيه من أجر وتمحيص، وما يحصل به من رجوع، وإنابة، وما يكون منه من تربية و تدريب على السلوك اللازم في الحياة الفردية والاجتماعية، ٥ :" وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت، أيديكم و يعفو عن كثير٦ ".
وليكن دائما متمسكا بحبل الرجاء في الله، تيسير الأسباب، وكشف الكروب، ودفع المكروه ؛ فالرجاء حسن ظن في الرب، وقوة في القلب، وباعث على العمل، ومخفف أو مذهب للألم.
فيا لها من عظيم أجرها، جليل نفعها في الدنيا والدين.
فهنيئا للشاكرين الراجين.
و يا ويح الكافرين – كفر عقيدة أو كفر نعمة – القانطين٧.
مباينة سلوك أهل الحق لسلوك أهل الباطل :
٢ أعرض.
٣ ونأى..
٤ لعلها الجاه..
٥ ولذا قالوا أن الصوفي يفرح فرحة بالخير، و يفرح مرتين بالبلاء..
٦ الشورى الآية ٣٠..
٧ ويح : هلاك، والقانطين، اليائسين.
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي