ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم بقوله تعالى : أو لم يروا أي : يعلموا بعيون بصائرهم على ما هو كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل بصحته من الشواهد الجلائل أنّ الله الذي خلق السماوات جمعها لما دل على ذلك من الحسن، ولما لم تكن الأرض مثل ذلك أفردها مريداً الجنس الصالح للجميع بقوله تعالى : والأرض على كبر أجرامها وعظم أحكامها، وقوله تعالى : قادر على أن يخلق مثلهم فيه قولان الأوّل : المعنى قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبر عن خلقهم ثانياً بلفظة المثل كما يقوله المتكلمون أنّ الإعادة مثل الابتداء. الثاني : أنّ المراد قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحدونه ويقرّون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا فهو كقوله تعالى : ويأت بخلق جديد [ إبراهيم، ١٩ ]. وقوله تعالى : قوماً غيركم [ التوبة، ٣٩ ]. قال الواحدي : والقول هو الأوّل لأنه أشبه بما قبله.
ولما بيّن الله تعالى بالدليل المذكور أنّ البعث والقيام أمر ممكن الوجود في نفسه أردفه ببيان أن لوقوعه في الوجود وقتاً معلوماً عند الله وهو قوله تعالى : وجعل لهم أجلاً لا ريب أي : لا شك فيه وهو الموت أو القيامة فأبى الظالمون إلا كفوراً أي : بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا الكفر والجحود.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني