ثم ذكر ضد من تقدم من الكفرة، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً * قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً * قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً
يقول الحقّ جلّ جلاله : إِن الذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه، وعملوا الأعمال الصالحات كانت لهم ؛ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده، جنَّاتُ الفردوسِ ، وهي أعلى الجنان. وعن كعب : أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي : أهل الوعظ والتذكير من العارفين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" في الجَنَِّ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُل دَرَجتين كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْض، أَعلاها الفِرْدَوس، ومِنْها تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجنَّةِ، فَوْقَها عَرْشُ الرحمان، فإذَا سَأَلْتُمُ اللهُ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ " (١)
وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم :" جنان الفردوس أربع : جنتان من فِضَّةٍ، أبنيتهما وآنيتُهُما، وجنَّتان من ذهب، أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظُرُوا إلى ربهمْ إلا رِدَاءُ الكبْرياءِ على وَجْهِه " (٢). وقال قتادة : الفردوس : ربوة الجنة. وقال أبو أمامة : هي سرة الجنة. وقال مجاهد : الفردوس : البستان بالرومية. وقال الضحاك : هي الجنة الملتفة الأشجار.
كانت لهم نُزُلاً أي : مقدمة لهم عند ورودهم عليه، على حذف مضاف، أي : كانت لهم ثمار جنة الفردوس نُزلاً، أو جعلنا نفس الجنة نُزلاً، مبالغةً في الإكرام، وفيه إيذان بأن ما أعدَّ الله لهم على ما نطق به الوحي على لسان النبوة بقوله :" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر ". هو بمنزلة النُزُل بالنسبة إلى الضيافة وما بعدها، وإن جُعِلَ النُزل بمعنى المنزل ؛ فظاهر.
ثم يترقون في معاريج التوحيد، وأسرار التفريد، أبدًا سرمدًا، لا نهاية ؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية، وهي كلمة التكوين، التي لا تنفد ؛ قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي... الآية. هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. قل : إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ وحي إلهام، ويلقى في رُوعي أنما إلهكم إله واحد، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان ؛ فليعمل عملاً صالحًا، الذي لا حظ فيه للنفس ؛ عاجلاً ولا آجلاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًا فأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مَجْمُوعُ
٢ أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، وتفسير سورة ٥٥، ١، ٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٦..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي