ثم بين سبحانه ما أجمل في قوله : فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا [ الكهف : ١١ ] فقال :
ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ٢٥ قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا [ الكهف : ٢٥ -٢٦ ].
الإيضاح : ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا أي ولبثوا في الكهف حين ضربنا على آذانهم ثلاثمائة سنة على حساب أهل الكتاب الذين علّموا قومك السؤال عن شأنهم، وتسعا زائدة على حساب قومك الذين سألوك عن ذلك.
ولا شك أن في هذا البيان معجزة لرسوله النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب، ولم يدرس الحساب ولا الهندسة ولا الفلك، فمن أين له أن كل مائة سنة شمسية تزيد ثلاث سنين قمرية، وكل ثلاث وثلاثين سنة شمسية تزيد سنة قمرية، وكل سنة شمسية تزيد نحو أحد عشر يوما على السنة القمرية ؟
لا شك أنه قد أعلمه اللطيف الخبير بما أوحاه إليه، وهداه لأقرب من هذا رشدا، وهو الذي جعله يلفت الأنظار إلى علم ما على الأرض زينة لها كضوء الشمس والقمر على وجهها، وما نتج عن ذلك الضوء من بهجة الأرض وزينتها، فلولا اختلاف الفصول لم يكن للأرض زينة، ولا اختلاف للفصول إلا بتقلب أحوال الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي، فما من حيوان ولا نبات إلا أسّ حياته ضوء الشمس الذي أرسله الله إلى الأرض، كما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ليهدينا إلى نور العلم ويقول لنا : إن النظر فيما على الأرض من زينة أقرب رشدا من قصص الأولين، وحكايات الغابرين.
فكم في العوالم المحيطة بكم من خوارق، فإياكم أن تذروها ابتغاء ما يقع على أيدي أنبيائكم وأوليائكم. فإني قد أرسلت الأنبياء ليرشدوكم إلى ملكي وما في خلقي من عجائب وما الأنبياء والأولياء إلا بعض خلقي لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ غافر : ٥٧ ].
ثم أكد أن المدة المضروبة على آذانهم هي هذه المدة فقال :
تفسير المراغي
المراغي