نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠:وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن رحلة موسى من مقر إقامته إلى مجمع البحرين، وبرفقته فتاه، للقاء عبد من عباد الله آتاه الله من لدنه علما لم يؤته موسى : وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا – فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما .
واستغرق وصف هذه القصة القسم الثاني من هذا الربع، والقسم الأول من الربع الآتي، وهذه القصة توحي بعدة أمور :
-الأمر الأول- أن الله رفع العلماء بعضهم فوق بعض درجات وفوق كل ذي علم عليم فلا ينبغي لأي عالم أن يعتقد أن عنده منتهى العلم، أو جميع أنواع العلم، وكما أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، فإنه يفيض من علمه على شخص ما لا يفيضه على آخر، ولا ينبغي لأي عالم أن يقنع بما عنده من العلم دون أن يطلب المزيد دائما : وقل رب زدني علما ، بل عليه أن ينتهز جميع الفرص والمناسبات، لتلقي أطيب النفحات قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا .
-الأمر الثاني- أن العالم بالرغم من كونه عالما لا بد له من أن يلتزم منتهى الأدب مع من هو أعلم منه، وأن لا يعترض على الطريقة التي يختارها معلمه لتعليمه : قال ستجدني إن شاء الله صابرا، ولا أعصي لك أمرا، قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا .
-الأمر الثالث- أن العالم ينبغي له أن يتخطى بنظره حدود المظاهر والظواهر، ويتطلع قبل كل شيء إلى حكم الأشياء وأسرارها، ويتعرف على مقاصدها وأهدافها، ويلم بظروف النوازل وملابساتها، وبذلك يتحاشى إصدار الأحكام، التي لا تناسب المقام، وإلا أدى به الحال إلى الوقوع في الغلط، وارتكاب الشطط قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا، قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا .
-الأمر الرابع- أن المستزيد من العلم ينبغي له أن يتأنى ولا يستعجل من هو أعلم منه، فلا يلح عليه بكثرة السؤال لأن ذلك يؤدي به إلى المضايقة والإملال، قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا، قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا .
قال هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا . روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر، حتى يقص الله علينا من خبرهما ). وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة، ولو صبر لرأى العجب ). و " الذمامة " بفتح الذال هي الحياء والإشفاق من الذم واللوم، وبهذه التوجيهات والإرشادات يربينا الذكر الحكيم على السلوك القويم.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري