وقوله : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ [ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ] ١ أي : الناس يومئذ أي : يوم يدك٢ هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ قال : ذاك حين يخرجون على الناس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه [ إن شاء الله تعالى ]٣ عند قوله : حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [ الأنبياء : ٩٦، ٩٧ ] وهكذا قال هاهنا : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا قال ابن زيد في قوله : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ قال : هذا أول يوم القيامة، وَنُفِخَ٤ فِي الصُّورِ على أثر ذلك فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا .
وقال آخرون : بل المراد بقوله : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ أي : يوم القيامة يختلط الإنس والجن.
وروى ابن جرير، عن محمد بن حميد، عن يعقوب القمي٥ عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة٦ في قوله : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ قال : إذا ماج الإنس والجن قال إبليس : أنا أعلم لكم علم هذا الأمر. فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد بطنوا٧ الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة بطنوا٨ الأرض فيقول :" ما من محيص ". ثم يظعن يمينًا وشمالا إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة بطنوا٩ الأرض فيقول :" ما من محيص " فبينما هو كذلك، إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنًا من خزان النار، فقال : يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك ؟ ! ألم تكن في الجنان ؟ ! فيقول : ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض عليّ فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه. فيقول : فإن الله قد فرض عليك فريضة. فيقول : ما هي ؟ فيقول : يأمرك أن تدخل النار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه فيقذفهم في النار. فتزفر النار١٠ زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مُرسل إلا جثا لركبتيه١١
وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. رواه من وجه آخر عن يعقوب، عن هارون عن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ قال : الجن الإنس، يموج بعضهم في بعض.
وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني١٢، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم : تاويل، وتايس١٣ ومنسك ". ١٤ هذا حديث غريب بل منكر ضعيف.
وروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا :" إن يأجوج ومأجوج لهم نساء، يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا " ١٥
وقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ : والصور كما جاء في الحديث :" قرن ينفخ " فيه والذي ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام، كما قد تقدم في الحديث بطوله، والأحاديث فيه كثيرة.
وفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا :" كيف أنعم، وصاحب القَرْن قد التقم القَرْن، وحنى جبهته واستمع متى يؤمر ". قالوا : كيف نقول ؟ قال :" قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا " ١٦
وقوله فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا أي : أحضرنا الجميع للحساب قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [ الواقعة : ٤٩، ٥٠ ]، وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [ الكهف : ٤٧ ]
٢ في ت: "بذكر"..
٣ زيادة من ف، أ..
٤ في ت: "ينفخ"..
٥ في أ: "العمى"..
٦ في أ: "قرارة"..
٧ في أ: "قد تطبقوا"..
٨ في أ: "قد تطبقوا"..
٩ في أ: "قد تطبقوا"..
١٠ في أ: "جهنم"..
١١ تفسير الطبري (١٦/٢٣)..
١٢ في ف، أ: "الأصبهاني"..
١٣ الحديث في مسند الطيالسى برقم (٢٢٨٢) وقال الهيثمي في المجمع (٨ / ٦): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات". تنبيه: وقع في مجمع الزوائد "تاول وتاريس ومنسك" وعند الطسالسى "تاويل وتاريس وتارليس ومنسك" وفي المطالب العالية "تاويل وتاريس وناسك"..
١٤ ؟؟؟؟؟.
١٥ سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٣٤)..
١٦ رواه الترمذي في السنن برقم (٢٤٣١) وقال: "هذا حديث حسن".
.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة