ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ ﰿ

ولما أبطأ الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يا جبريل ما يَمنعُكَ أن تزورنَا أكثرَ مما تَزورنا ؟ ". فنزل١.
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذالِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً
قلت : وجه المناسبة لما قبله - والله أعلم - : أن الحق جلّ جلاله لما سرد قصص الأنبياء وما نشأ بعدهم، وكان جبريل هو صاحب وحيهم الذي ينزل به عليهم، ذكر هنا أن نزوله ليس باختياره، فقال : وما نتنزل. . . الخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله : حاكيًا لقول جبريل عليه السلام : وما نتنزَّلُ عليك يا محمد إِلا بأمرِ ربك ، وذلك حين أبطأ الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، لما سئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فلم يدر كيف يجيب، ورجا أن يوحي إليه فيه، فأبطأ عليه أربعين يومًا. قاله عكرمة. وقال مجاهد : ثنتي عشرة ليلة، أو خمس عشرة. فشقَّ على النبي صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة. وقال :" يا جبريل قد اشتقت إليك، فقال جبريل : إني كنت أَشْوَق، ولكني عبد مأمور، إذا بُعثتُ نزلت، وإذا حُبست احتَبَستُ، فأنزل الله هذه الآية وسورة الضحى " ٢، والتنزل : النزول على مَهَل، وقد يُطلق على مطلق النزول، والمعنى : وما نتنزل وقتًا غِبّ وقتٍ إلا بأمر الله تعالى، على ما تقتضيه حكمته.
وقيل : هو إخبار عن أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها مخاطبين بعضهم لبعض بطريق التبجح والابتهاج، أي : ما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر الله تعالى ولطفه، وهو مالك الأمور كلها، سالفها ومُتَرَقَّبُهَا وحاضرها، فما وجدناه وما نجده هو من لطفه وفضله. ه. قلت : ولا يخفى حينئذ مناسبته.
ثم قال : له ما بين أيدينا وما خَلْفَنا وما بين ذلك أي : وما نحن فيه من الأماكن والأزمنة، فلا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان، إلا بأمره ومشيئته، وعن مقاتل : له ما بين أيدينا من أمر الدنيا، وما خلفنا من أمر الآخرة، وما بين ذلك مما بين النفختين، وهو أربعين سنة. أو ما بين أيدينا بعد الموت، وما خلفنا قبل أن يخلقنا، وما بين ذلك مدة حياتنا، أي : له علم ذلك كله، وما كان ربك نَسِيًّا : تاركًا لك ومهملاً شأنك، أو : ذَاهِلاً عنك حتى ينسى أمر الوحي إليك ؛ لأنه مُحال، يعني : أن عدم نزول جبريل لم يكن إلا لعدم الأمر به ؛ لحكمة بالغة فيه، ولم يكن تركه تعالى لك إهمالاً وتوديعًا، كما زعمت الكفرة. وفي إعادة اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه والإشعار بعلية الحكم ما لا يخفى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ما قاله جبريل عليه السلام من كونه لا ينزل إلا بأمر ربه ليس خاصًا به ؛ بل كل أحد لا حركة له ولا سكون إلا بالله وبمشيئته، فلا يصدر عن أحد من عبيده قول ولا فعل، ولا حركة ولا سكون، إلا وقد سبق في علمه وقضائه كيف يكون، فلا انتقال ولا نزول إلا بقدر سابق وتحريك لاحق ؛ " ما من نفَس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه ". وقال الشاعر :

مشيناها خطى كُتبت علينا ومن كُتبت عليه خطى مشاها
ومـن قسمت منيتـه بأرض فليس يموت في أرض سواها
فراحة الإنسان أن يكون ابن وقته، كل وقت ينظر ما يفعل الله به، فبهذا ينجو من التعب، ويتحقق له الأدب. وبالله التوفيق.

١ أخرجه البخاري في تفسير سورة ١٩ باب ٢، والتوحيد باب ٢٨، وبدء الخلق باب ٦، والترمذي في تفسير سورة ١٩ باب ٤، وأحمد في المسند ١/٢٣١..
٢ أخرجه الطبري في تفسيره ١٦/١٠٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير