ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ ﰿ

وقوله تعالى : وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً يحتمل تفسيرين اثنين :
التفسير الأول : أن تكون هذه الآية مرتبطة بما قبلها، وحيث أن الحديث فيما قبلها مباشرة كان عن الجنة التي يورثها الله عباده المتقين، تكون هذه الآية حكاية لقولهم عند دخول الجنة، إخبارا منهم عن حالهم فيها، ويكون معناها : وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك، لا يخفى عليه أي شيء من أعمالنا وأحوالنا، ولا يغادر كبيرة ولا صغيرة من شؤونها، على غرار قوله تعالى في آية أخرى : لا يضل ربي ولا ينسى [ طه : ٥٢ ].
التفسير الثاني : أن تكون غير مرتبطة بما قبلها، بل بداية موضوع جديد، وعلى هذا الفهم يكون الخطاب في قوله تعالى : إلا بأمر ربك موجها إلى خاتم النبيئين والمرسلين، تأكيدا لكون الرسالة عن الله لا تتجاوز حدود التبليغ عنه، وتنبيها إلى ضرورة انتظار ما يرد من أوامره العليا عن طريق الوحي، ويكون ضمير المتكلم ومعه غيره أو المعظم نفسه في قوله تعالى : وما تنتزل عائدا على ملك الوحي جبريل عليه السلام، إخبارا منه بأنه لا يستطيع أن ينزل على الرسول إلا إذا أمره الله بالنزول، وبأنه لا يتأخر عن تنزيل الوحي متى صدرت به أوامر الله إلى الرسول وما نتنزل إلا بأمر ربك ، ويكون قوله تعالى في نفس السياق : له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك واردا على لسان ملك الوحي، تأكيدا لكونه في قبضة الله، ومسيرا في أفعاله بأمر الله على الدوام والاستمرار، وأنه مهما علا قدره فما هو إلا واحد من ملائكة الرحمن الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يومرون [ التحريم : ٦ ].
وقوله تعالى : وما كان ربك نسيا يحتمل وجهين اثنين :
الوجه الأول أن يكون المراد إدخال الطمأنينة على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهدئة روعه عندما يتأخر عنه الوحي، وذلك حتى لا يستولي عليه القلق، ولا يظن به أعداء الله الظنون، والمعنى حينئذ أنه بالرغم من تأخر الوحي عنك فإن الله لا ينساك، وأنه في كل وقت يرعاك، على غرار قوله تعالى : ما ودعك ربك وما قلى [ الضحى : ٣ ].
الوجه الثاني أن يكون المراد تنبيه الرسول عليه السلام وعن طريقه تنبيه كافة المؤمنين إلى أن الوحي إذا لم ينزل في بعض الشؤون فإنه لا يتصور في حق الله أن يكون ذلك عن نسيان، وإنما المقصود به الرفق والتيسير والتوسعة على بني الإنسان. روى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية أي معفو عنه فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم ينس شيئا " ثم تلا هذه الآية وما كان ربك نسيا .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير