من الناس من يأكل الوجبة «١». ومنهم من يأكل متى وجد- وهي عادة المنهومين.
ومنهم من يتغدى ويتعشى- وهي العادة الوسطى المحمودة، ولا يكون ثم ليل ولا نهار، ولكن على التقدير، ولأن المتنعم عند العرب من وجد غداء وعشاء. وقيل: أراد دوام الرزق ودروره، كما تقول: أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا، يريد: الديمومة، ولا تقصد الوقتين المعلومين.
[سورة مريم (١٩) : آية ٦٣]
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)
نُورِثُ وقرئ: نورّث، استعارة، أى: نبقى عليه الجنة كما نبقى على الوارث مال المورّث ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة، فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورّث الوارث المال من المتوفى. وقيل: أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا.
[سورة مريم (١٩) : آية ٦٤]
وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)
وَما نَتَنَزَّلُ حكاية قول جبريل صلوات الله عليه حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى أنه احتبس أربعين يوما. وقيل: خمسة عشر يوما، وذلك حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذى القرنين والروح، فلم يدر كيف يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه، فشق ذلك عليه مشقة شديدة وقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أبطأت حتى ساء ظنى واشتقت إليك. قال: إنى كنت أشوق ولكنى عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. وأنزل الله سبحانه هذه الآية وسورة الضحى «٢». والتنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله:
(٢). ذكره الثعلبي عن عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي. فقالوا، احتبس، فذكره سواء، وكأنه ملفق عندهم، فقد ذكره ابن إسحاق في السيرة. قال حدثني شيخ من أهل مصر عن عكرمة عن ابن عباس «أن قريشا جاءوا فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول- فذكر القصة- وفيها «فمكث فيما يذكرون خمسة عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وصار لا يأتيه جبريل. فذكره بتغير وزيادة ونقص. ورواه أبو نعيم في الدلائل من طريقه ومن طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس نحوه. وقال أبطأ عنه خمسة عشر يوما لتركه الاستثناء.
| فلست لإنسىّ ولكن لملأك | تنزّل من جو السّماء يصوب «١» |
الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض، والمعنى:
أنه المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلا صادرا عما توجبه حكمته ويأمرنا به ويأذن لنا فيه. وقيل معنى وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا وما كان تاركا لك، كقوله تعالى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى أى: ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به. وأما احتباس الوحى فلم يكن عن ترك الله لك وتوديعه إياك، ولكن لتوقفه على المصلحة. وقيل: هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، أى: وما ننزل الجنة إلا بأن من الله علينا بثواب أعمالنا وأمرنا بدخولها، وهو المالك لرقاب الأمور كلها السالفة
| تعاليت أن تعزى إلى الانس جلة | وللانس من يعزوك فهو كذوب |
| فلست باء نسى ولكن ملأكا | تنزل من جو السماء يصوب |
فلست لانسى ولكن لملأك
أى: فلست منسوبا لانسى ولكن لملك، وبالغ في ذلك حتى جعله نازلا من جهة السماء، يصوب: أى يقصد إلى جهة.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم