ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ ﰿ

هنا ينتقل السياق إلى موضوع آخر، فبعد أن تحدث عن الجنة وأهلها عرض لأمر حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يحدث له حين ينزل عليه الوحي، وقلنا : إن الوحي ينزل بواسطة جبريل عليه السلام، وهو ملك، على محمد صلى الله عليه وسلم وهو بشر.
ولقاء جبريل بقانون ملكيته بمحمد صلى الله عليه وسلم بقانون بشريته لا يمكن أن يتم إلا بتقارب هذين الجنسين وعملية تغيير لابد أن تطرأ على أحدهما، إما أن ينزل الملك على صورة بشرية، وإما أن يرتفع ببشرية الرسول إلى درجة تقرب من الملك ليأخذ عنه، وذلك ما كان يحدث لرسول الله حين يأتيه الوحي.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا التغيير فقال : ".. فغطني حتى بلغ مني الجهد.. "
وكان صلى الله عليه وسلم يتفصد جبينه عرقاً لما يحدث في جسمه من تفاعل وعمليات كيماوية، ثم حينما يسري عنه تذهب هذه الأعراض.
وقد أخبر بعض الصحابة، وكان يجلس بجوار رسول الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يضع ركبته على ركبته، فلما نزل على رسول الله الوحي قال الصحابي : شعرت بركبة رسول الله وكأنها جبل.
وإذا أتاه الوحي وهو على دابة كانت الدابة تئط أي : تنخ من ثقل الوحي، وقد قال تعالى :
إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً " ٥ " ( سورة المزمل ).
إذن : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعب بعد هذا اللقاء ويشق عليه، حتى يذهب إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يقول : زملوني زملوني " أو " دثروني دثروني " كأن به حمى مما لاقى من لقاء الملك ومباشرة الوحي أولاً.
ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الوحي يفتر عن رسوله ليرتاح من تعبه ومشقته، فإذا ما ارتاح وذهب عنه التعب بقيت له حلاوة ما نزل من الوحي، فيتشوق إليه من جديد، كما يشتاق الإنسان لمكان يحبه دونه الأشواك ومصاعب الطريق، فالحب للشيء يحدث عملية كالتخدير، فلا تشعر في سبيله بالتعب.
وقلنا : لما فتر الوحي عن رسول الله شمت فيه الكفار وقالوا : إن رب محمد قد قلاه يعني : أبغضه وتركه.
وهذا القول دليل على غبائهم وحماقتهم، كيف وقد كانوا بالأمس يقولون عنه : ساحر وكذاب ؟ ففي البغض يتذكرون أن له رباً منع عنه الوحي، وحين دعاهم إلى الإيمان بهذا الرب قالوا : من أين جاء بهذا الكلام ؟.
لذلك فالحق تبارك وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم قائلاً :
ألم نشرح لك صدرك " ١ " ووضعنا عنك وزرك " ٢ " الذي أنقض ظهرك " ٣ " ورفعنا لك ذكرك " ٤ "
( سورة الشرح ).
إذن : كانت مسألة الوحي شاقة على رسول الله. فأراد الحق سبحانه أن يعطي هؤلاء درساً من خلال درس كوني مشاهد يشهد به المؤمن والكافر، هذا الأمر الكوني هو الزمن، وهو ينقسم إلى ليل ونهار، ولكل منهما مهمته التي خلقه الله من أجلها، كما قال سبحانه :
والليل إذا يغشى " ١ " والنهار إذا تجلى " ٢ " ( سورة الليل ) : فإياك أن تغير مهمة الليل إلى النهار، أو مهمة النهار إلى الليل. ثم يرد عليهم قائلاً :
والضحى " ١ " والليل إذا سجى " ٢ " ما ودعك ربك وما قلى " ٣ " وللآخرة خير لك من الأولى " ٤ "
( سورة الضحى ).
والمعنى : إن كان النهار لحركة الحياة واستبقائها، والليل للراحة والسكون، فهما آيتان متكاملتان لا متضادتان، وليس معنى أن يأتي الليل بسكونه أن النهار لن يأتي من بعده، بل سيأتي نهار آخر، وستستمر حركة الحياة.
وكذلك الأمر إن فتر الوحي عن رسول الله، فلا تظنوا أنه انقطع إلى غير رجعة، بل هي فترة ليرتاح فيها رسول الله، كالليل الذي يرتاحون فيه من عناء العمل في النهار، ومن هنا كانت الحكمة في أن يقسم سبحانه وتعالى بالضحى والليل إذا سجى على ما ودعك ربك وما قلى " ٣ " ( سورة الضحى ).
ونلحظ في هذا التعبير دقة الإعجاز في أداء القرآن، حيث قال : ما ودعك.. " ٣ " ( سورة الضحى ).
بكاف الخطاب ؛ لأن التوديع يكون لمن تحب ولمن تكره، أما في القلي فلم يقل : قلاك. لأن القلي لا يكون إلا لمن تكره.
ومعنى : وللآخرة خير لك من الأولى " ٤ " ( سورة الضحى ) :
الآخرة أي : الفترة الأخيرة من نزول الوحي خير لك من الفترة الأولى ؛ لأنها ستكون أوسع، وستأتيك بلا تعب ولا مشقة، وفعلاً نزلت جمهرة القرآن بعد ذلك في يسر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا كان الأمر في الآية التي نحن بصددها : وما نتنزل إلا بأمر ربك.. " ٦٤ " ( سورة مريم ) :
فيقال : إنها نزلت حينما قال الكفار : إن رب محمد قد قلاه، أو أنها نزلت بعد أن سأل كفار مكة الأسئلة الثلاثة التي تحدثنا عنها في سورة الكهف. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " سأخبركم غداً " لكن الوحي لم يأته مدة خمسة عشر يوماً، فشق ذلك عليه وحزن له فنزلت :
وما نتنزل إلا بأمر ربك.. " ٦٤ " ( سورة مريم ) : أي : الملائكة لا تنزل إلا بأمر، ولا تغيب إلا بأمر. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك.. " ٦٤ " ( سورة مريم ).
قوله تعالى : ما بين أيدينا.. " ٦٤ " ( سورة مريم )أي : في الخلف.
وما بين ذلك.. " ٦٤ " ( سورة مريم ) : أي : ما بين الأمام والخلف، فماذا بين الأمام والخلف ؟ ليس بين الأمام والخلف إلا أنت. فسبحانه وتعالى المالك، الذي له الملك والمملوك، وله المكان والمكين، وله الزمان والزمين. وقوله :
وما كان ربك نسياً " ٦٤ " ( سورة مريم ).
وهل يرسل الحق تبارك وتعالى رسولاً، ثم ينساه هكذا دون إمداد وتأييد ؟ فسبحان تنزه عن الغفلة وعن النسيان.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير