ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

قوله : وَعَنَتِ الوُجُوهُ " يقال : عَنَا يَعْنُو إذا ذلَّ وخضع وأعناه غيره أي : أذلَّه، ومنه العُنَاة جمع عانٍ وهو الأسير، قال :

فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ وَعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عنْهُ فَقَدْ أَبَى١
وقال أمية بن أبي الصلت٢ :
مَليكٍ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ٣
وفي الحديث " فَإنَّهُنَّ٤ عَوَان " ٥. والمعنى : أنَّ ذلك اليوم تُذَلُّ الوجوه أي : المكلِّفين أنفسهم، ذكرَ " الوجوه " ٦ وأراد أصحاب الوجوه، لأن قوله وَعَنَتْ من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه كقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٧ وخص الوجوه بالذكر، لأن الخضوع بها يبين، وفيها يظهر٨. وتقدم تفسير " الحَيُّ القَيُّومُ " ٩ وروى١٠ أبو أمامة الباهليّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :" اطلبوا اسمَ الله الأعظم في هذه السُّور الثلاث البَقَرة وآل عمران، وطه " قال الراوي١١ : فوجدنا المشترك في السور الثلاث الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ١٢.
قوله : وَقَدْ خَابَ يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً١٣، ويجوز أن يكون اعتراضاً. قال الزمخشري١٤ :" وَقَدْ خَابَ " وما بعده اعتراض كقولك خَابُوا وخَسِرُوا، وكل من ظلم فهو خائِبٌ خَاسِر١٥.
ومراده١٦ بالاعتراض هنا أنَّه خصَّ الوجوه بوجوه العصاة١٧ حتى تكون الجملة قد دخلت بين العُصَاة وبين وَمَن١٨ يَعْمَلْ مِنَ الصالحات فَهذَا١٩ عنده قسيم " وَعَنَتْ الوُجُوهُ " فلهذا كان٢٠ اعتراضاً٢١. وأما ابن عطية فجعل " الوُجُوهُ " عامة، فلذلك جعل وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً معادلاً بقوله وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات إلى آخره٢٢.

فصل


قال ابن عباس :" خَابَ " خَسِر من أشْرَكَ بالله. والظُّلمُ : الشِّرك٢٣ قال الله تعالى إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ٢٤ والمراد بالخيبة : الحِرمان، أي : حُرِم الثواب مَنْ حَمَل ظُلْماً، أي ظلم ولم يتب٢٥.
١ البيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، ولم أجده فيما رجعت إليه من راجع. الغُلّ: جامعة توضع في العنق أو اليد. والشاهد فيه أن (عان) هو الأسير..
٢ واسمه عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، قال الأصمعي: ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة، وقد صدقه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض شعره، ولما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره قال: "آمن لسانه وكفر قلبه" مات سنة ٩ هـ كافرا. الخزانة ١/٢٤٧ – ٢٥٣..
٣ البيت من بحر الطويل قاله أمية بن أبي الصلت. مليك: ذو الملك. المهين: اسم من أسماء الله في الكتب القديمة، ومعناه الشاهد، وهو من آمن غيره من الخوف. تعنو: تخضع وتستأسر. وهو الشاهد..
٤ في ب: "إنهن"..
٥ أخرجه ابن ماجه (نكاح) ١/٥٩٤، وهو في غريب الحديث لابن الأثير ٣/٣١٤ وعوان جمع عانية، وهي الأسيرة..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ [الغاشية: ٨، ٩]..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..
٩ وتقدم ذلك في [البقرة: ٢٥٥] الله لا إله إلا هو الحي القيوم انظر اللباب ٢/٩٥..
١٠ في ب: فصل روى..
١١ في ب: الرازي. وهو تحريف..
١٢ [البقرة: ٢٥٥] و[آل عمران: ٢] انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..
١٣ انظر التبيان ٢/٩٠٥..
١٤ في ب: قال الزمخشري وغيره. وهو تحريف..
١٥ الكشاف ٢/٤٤٨..
١٦ في ب: ومراد به. وهو تحريف..
١٧ الكشاف ٢/٤٤٧..
١٨ في ب: "من"..
١٩ في ب: وهذا..
٢٠ في ب: فكان هذا..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٢٨١..
٢٢ انظر تفسير ابن عطية ١٠/٩٧..
٢٣ انظر البغوي ٥/٤٥٩ – ٤٦٠..
٢٤ [لقمان: ١٣]..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية