فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم، كما قال تعالى :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً
قلت : وقد خاب… الخ : استئنافٌ، تعليلُ ما لأجله عنت وجوههم، أو اعتراض، كأنه قيل : خابوا وخسروا، أو حال من الوجوه، و مَنْ : عبارة عنها، مُغنية عن ضميرها، أي : خضعت الوجوه، والحال أنها خابت حين حملت ظلمًا. وقيل : الوجوه على العموم، فالمعنى حينئذ : وقد خاب من حمل منهم ظلمًا، ومن قرأ :" فلا يخف " : فعلى النهي، وهو جواب، ومن قرأ بالرفع : فعلى الخبر، أي : فهو لا يخاف.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وعَنَتِ الوجوهُ للحيّ القيّوم أي : ذلت وخضعت خضوع العناة، أي : الأسارى في يد الملك القهار، ومنه قيل للأسير :" عانٍ "، أي : خاضع ذليل، وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت١ :
| مَليكٌ عَلَى عَرْشِ السماءِ مُهَيْمنٌ | لِعزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ |
قال ابن عباس رضي الله عنه :( خسر من أشرك بالله ولم يتب )، فإنما تذل وجوه من أشرك بالله، وأما أهل التوحيد فأشار إليهم بقوله : ومن يعمل من الصالحات… الخ، فهو قسيمٌ لقوله : ومن خاب من حمل ظلمًا ، لا لقوله : وعنت الوجوه .
وإذا حملنا عَنَت على مطلق الخضوع أو السجود كان عامًا، لأن الخلائق كلها تخضع لله في ذلك الوقت. ثم فصلهم : فمن حمل ظلما فقد خاب وخسر.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي