قال موسى : هي عصاي ( ١٨ ) ( طه )، ثم يفتح لنفسه مجالا آخر للكلام : أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ( ١٨ ) ( طه ) وهنا يرى موسى أنه تمادى وزاد، فيحاول الاختصار : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ( ١٨ ) ( طه ).
وكان موسى ينتظر سؤالا يقول : وما هذه المآرب ؟ ليطيل أنسه بربه، وإذا كان الخطاب مع الله فلا ينهيه إلا زاهد في الله.
وللعصا تاريخ طويل مع الإنسان، فهي لازمة من لوازم التأديب والرياضة، ولازمة من لوازم الأسفار، ولها أهميتها في الرعي.. الخ وهنا يذكر موسى – عليه السلام – بعض هذه الفوائد – يقول :
أتوكأ عليها ( ١٨ ) ( طه ) أي : أعتمد عليها، وأستند عندما أمشي، والإنسان يحتاج إلى الاعتماد على عصا عند السير وعند التعب، لأنه يحتاج إلى طاقتين : طاقة للحركة والمشي، وطاقة لحمل الجسم والعصا تساعده في حمل ثقل جسمه، خاصة إن كان متعبا لا تقوى قدماه على حمله.
فقوله : أتوكأ عليها ( ١٨ ) ( طه ) أي : أعتمد عليها حين المشي وحين أقف لرعي الغنم فأستند عليها، والاتكاء يراوح الإنسان بين قدميه فيريح القدم التي تعبت، وينتقل من جنب إلى جنب.
والإنسان إذا ما استقر جسمه على شيء لمدة طويلة تنسد مسام الجسم في هذا المكان، ولا تسمح بإفراز العرق، فيسبب ذلك ضررا بالغا نراه في المرضى الذين يلازمون الفراش لمدة طويلة، ويظهر هذا الضرر في صورة قرحة يسمونها " قرحة الفراش " ؛ لذلك ينصح الأطباء هؤلاء المرضى بأن يغيروا من وضعهم، فلا ينامون على جنب واحد.
لذلك شاءت قدرة الله عز وجل أن يقلب أهل الكهف في نومهم من جنب إلى جنب، كما قال سبحانه : ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.. ( ١٨ ) ( الكهف ).
لذلك إذا وقف الإنسان طويلا، أو جلس طويلا ولم يجد له متكأ تراه قلقا غير مستقر، ومن هنا كان المتكأ من مظاهر النعمة والترف في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى في شأن امرأة العزيز : واعتدت لهن متكأ.. ( ٣١ ) ( يوسف ).
وقال عن نعيم الآخرة : متكئين على سرر مصفوفة.. ( ٢٠ ) ( الطور ).
وقال : متكئين على فرش بطائنها من استبرق١.. ( ٥٤ ) ( الرحمن ).
وقال الحق تبارك وتعالى : متكئين على رفرف٢خضر وعبقري٣حسان ( ٧٦ ) ( الرحمن )
فالاتكاء وسيلة من وسائل الراحة، وعلى الإنسان أن يغير متكأه من جنب إلى جنب حتى لا يتعرض لما يسمى ب " قرحة الفراش ".
ومن فوائد العصا : وأهش بها على غنمي.. ( ١٨ ) ( طه ) : أي : أضرب بها أوراق الشجر فتتساقط فتأكلها الغنم والماشية ؛ لأن الراعي يمشي بها في الصحراء، فتأكل من العذي، وهو النبات الطبيعي الذي لم يزرعه أحد، ولا يسقيه إلا المطر، فإن انتهى هذا العشب اتجه الراعي إلى الشجر العالي فيسقط ورقه لتأكله الغنم، فيحتاج إلى العصا ليؤدي بها هذه المهمة.
إذن : قوله : أتوكأ عليها.. ( ١٨ ) ( طه ) لراحته هو، و أهش بها على غنمي.. ( ١٨ ) ( طه ) لخدمة الرعية، وفيها سياسة إدارة الرزق كلها للماشية وللناس، ورعي الغنم وسياستها تدريب على سياسة الأمة بأسرها ؛ لذلك ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم ليتعلم من سياسة الماشية سياسة الإنسان.
وفي الحديث الشريف :( ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة )٤.
ولما أحس موسى – عليه السلام – أنه أطال في خطاب ربه عز وجل أجمل فقال : ولي فيها مآرب أخرى ( ١٨ ) ( طه ) أي : منافع.
وقد حاول العلماء٥جزاهم الله عنا خيرا البحث في هذه المآرب الأخرى التي لم يذكرها موسى عليه السلام، فتأملوا حال الرعاة، وما وظيفة العصا في حياتهم فوجدوا لها منافع أخرى غير ما ذكر.
من هذه المنافع أن الراعي البدائي يضع عصاه على كتفه ويعلق عليها زاده من الطعام والشراب، وبعض الرعاة يستغل وقته أيضا في الصيد، فيحتاج إلى أدوات مثل : القوس، والنبل، والسهام والمخلاة التي يجمع فيها صيده، فتراه يضع عصاه على كتفه هكذا بالعرض، ويعلق عليها هذه الأدوات من الجانبين فإذا ما اشتدت حرارة الشمس ولم يجد ظلالا غرز عصاه في الأرض، وألقى بثوبه عليها فجعل منها مثل الخيمة أو المظلة تقيه حرارة الجو. فإن احتاج للماء ذهب للبئر، وربما وجده غائر الماء لا يبلغه الدلو فيحتاج للعصا يربطها ويطيل بها الحبل، إلى غير ذلك من المنافع.
وبعض العلماء يقولون : لقد كان موسى عليه السلام ينتظر أن يسأله ربه عن هذه المآرب ليطيل الحديث معه، لكن الحق سبحانه لم يسأله عن ذلك ؛ لأنه سينقله إلى شيء أهم من مسألة العصا، فما ذكرته يا موسى مهمة العصا معك، أما أنا فأريد أن أخبرك بمهمتها معي :
٢ الرفرف: الثياب العريضة أو الرقيقة من الحرير، وهي هنا كناية عن النعيم أي: على فرش حريرية جميلة خضر. (القاموس القويم ١ / ٢٧١)..
٣ العبقري: هو هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش (لسان العرب – مادة: عبقر)..
٤ أخرجه البخاري في صحيحه (٢٢٦٢)، وابن ماجة في سننه (٢١٤٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن حجر في الفتح (٤ / ٤٤١): (قال سويد أحد رواته: يعني كل شاة بقراريط. يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم)..
٥ منهم ابن عباس الذي قال: إذا انتهيت إلى رأس بئر الرشا وصلته بالعصا، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني، وإذا خفت شيئا من هوام الأرض قتلته بها، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة. وأقاتل بها السباع عن الغنم. (انظر: تفسير القرطبي ٦ / ٤٣٦٠، ٤٣٦١)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي