ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

قَالَ هِيَ عَصَايَ قرأ ابن أبي إسحاق :" عصى " على لغة هذيل. وقرأ الحسن :" عَصَايَ " بكسر الياء لالتقاء الساكنين أتوكأ عليها أي أتحامل عليها في المشي وأعتمدها عند الإعياء والوقوف، ومنه الاتكاء. وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي هش بالعصا يهش هشاً : إذا خبط بها الشجر ليسقط منه الورق. قال الشاعر :

أهش بالعصا على أغنامي من ناعم الأوراك والسنام
وقرأ النخعي " أهس " بالسين المهملة، وهو زجر الغنم، وكذا قرأ عكرمة، وقيل : هما لغتان لمعنى واحد وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى أي حوائج، واحدها مَأْرَبَة ومَأْرُبُة ومأربة مثلث الراء، كذا قال ابن الأعرابي وقطرب، ذكر تفصيل منافع العصا، ثم عقبه بالإجمال.
وقد تعرّض قوم لتعداد منافع العصا، فذكروا من ذلك أشياء منها قول بعض العرب : عصاي أركزها لصلاتي، وأعدّها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد بها في مشيتي، ليتسع خطوي، وأثب بها النهر، وتؤمنني العثر، وألقي عليها كسائي، فتقيني الحرّ، وتدفيني من القرّ، وتدني إليّ ما بعد مني وهي تحمل سفرتي، وعلاقة إداوتي، أعصي بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبي وأورثها بعدي بنيّ. انتهى.
وقد وقفت على مصنف في مجلد لطيف في منافع العصا لبعض المتأخرين، وذكر فيه أخباراً وأشعاراً وفوائد لطيفة ونكتاً رشيقة. وقد جمع الله سبحانه لموسى في عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما أمن به من كيد السحرة ومعرّة المعاندين، واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب عصا النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنزته، وكان يخطب بالقضيب وكذلك الخلفاء من بعده، وكان عادة العرب العرباء أخذ العصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في عصا موسى قال : أعطاه [ إياها ] ملك من الملائكة إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض فتخرج له النبات، ويهشّ بها على غنمه ورق الشجر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي قال : أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي، وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ قال : حوائج. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ نحوه. وأخرج أيضاً عن قتادة قال : كانت تضيء له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام. وأخرج أيضاً عن ابن عباس في قوله : فألقاها فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى قال : ولم تكن قبل ذلك حية فمرّت بشجرة فأكلتها، ومرّت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً، فنودي أن يا موسى خذها، فلم يأخذها، ثم نودي الثانية : أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة : إنك من الآمنين فأخذها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه : سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى قال : حالتها الأولى. وأخرجا عنه أيضاً : مِنْ غَيْرِ سُوء قال : من غير برص. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : واجعل لي وَزِيراً منْ أَهْلِي * هارون أَخِي قال : كان أكبر من موسى. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله : وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي قال : نبىء هارون ساعتئذٍ حين نبىء موسى.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية